حين ثار حماري
أحمد الغازي/ شاعر وقاص مغربي
حلست الحمار بحلس كان من صنع أحد حرفيي الدوار، ثم بقفزة واحدة اعتليت ظهره، ربتت برجليّ أسفل بطنه وتحرك حثيث الخطى.
حين اقترب من بغلة يمتطيها الجيلالي تثاقل في المشي، وبدأ ينهق حتى بلغ صدى صوته آخر نقطة في القرية، ورجعه يدوي في الآذان. ضربته ضربا مبرحا، ونخسته بشوكة جريد النخلة فقفز في الهواء، تكومت على ظهره وأحكمت رجليّ على بطنه، فانطلق مسرعا وأكمل المسير.
في منتصف الطريق المؤدية إلى الجنان، إلتقيت شيخ القبيلة يتمطى في مشيته، استوقفني وصاح بي: إحذر بني أن تربط حمارك هذا بالقرب من حقلنا كي لا يفسد زرعنا. ثم خرج هذا الكلام من فمه كحمم تتطاير في السماء. إخ تفو على هذه الحمير.. لا تترك حقلا إلا واقتلعت محصوله.
لم أنبس بكلمة وتركت حماري يرد عليه.
نهق نهيقا مدويا كأنه يعبر عن غضبه بطريقته حيال ما صدر من شيخ القبيلة من سب في حق الحمير، من دون اعتبار للصبر والتضحية التي تتخذه شعارا لها في كل المناسبات، ثم أخرج ريحاً وواصل المشي.
الحمار طوال الطريق، يسوط ويتثاءب حتى بلغنا الحقل.
نزلت من على ظهره، وخلصته من الحلس، ودررت بعض الغبار عليه، كي لا يصاب بالبرد جراء العرق الذي يكسو ظهره. ثم ربطت رجله الأمامية بحبل وعقدته بجريد نخلة وانصرفت لأحصد الفصفصة.
مرت نصف ساعة في الجنان، ثم فجأة وصلني صدى نهيق حماري. أخذت ربطة فصفصة وذهبت إلى حيث يوجد.
لم أجد أثرا له، ثم فكرت فيما قاله شيخ القبيلة. سارعت نحو جنانه، هناك رمقت الحمار الذي ليس من عادته أن يطأ أملاك الشيخ، كأنه يشم رائحة السلطة فيها، تمنعه من الدخول.
لكن الإهانة التي تلقاها أمام مرأى مالكه، حين سبه الشيخ. جعله ينتقم لنفسه، فاقتلع كل الخضروات التي نبتت في حقل شيخ القبيلة. ولم يكتف بذلك فقط، فحين بلوغي عين المكان وفي يدي عصا طويلة، أردت أن أعاقبه بها لأنه تجرأ على حقل شيخنا. وجدته يشرئب أمام بغلة الشيخ، بل إنه كان يغازلها، ويتحسس جسدها. حاولت أن أفسد عليه تلك اللحظة الغرامية، لكن لم يذخر جهدا كبيرا وبرفسة واحدة رماني بعيدا عنه..



