الولاية في الإسلام


إذا كان ما ثبت للفقيه إنما هو النيابة العامة عن الإمام المعصوم(عليه السلام) المفترض الطاعة فمعرفة هذه النيابة تتوقف على معرفة ما للمعصوم من الولاية.
وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى ثبوت ولاية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) على المجتمع وأموره وجميع ما يرتبط به،إذ يقول تعالى:»النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ»الأحزاب:6. وقال جل وعلا:»إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ امَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» المائدة:55.وقال تبارك أسمه أيضاً:»يَا أَيُّهَا الَّذِينَ امَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ» النساء:59.
وهذه الآيات تتحدث عن الولاية الثابتة لأولي الأمر بمعنى أن بيدهم إدارة المجتمع الإسلامي وإجراء أحكام الإسلام وضمان مصالح الناس المادية والمعنوية..تتعدد الأدلة التي تثبت الولاية للفقيه بمعنى حق الأمر والنهي وإدارة المجتمع الإسلامي،ومن الأدلة:أولاً: ان شريعة الإسلام هي الشريعة الكاملة الخاتمة: أي إن أحكام الإسلام مؤبدة إلى يوم القيامة،وهذه الأحكام تشهد على لزوم إقامة الدولة والحكومة،لأن الكثير منها لا يقبل التطبيق إلا في ظل دولة قوية قادرة،وإقامة هذه الأحكام إنما تكون بحكم العقل من شخص عالم بأحكام الإسلام هذه،عارفاً بطرق تطبيقها،أميناً في مهمته هذه،وليس هو سوى الفقيه الجامع للشرائط.
وقد تحدث القرآن الكريم عن ضرورة إتباع من يكون عالماً بالأمر إذ قال تعالى على لسان إبراهيم (عليه السلام):»يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا»مريم:43. فإن الآية الكريمة بينت لزوم إتباع العالم لأجل علمه وأن هذا الإتباع هو سبب الهداية إلى الصراط السوي..وثانياً: هناك العديد من الروايات التي تشير إلى ولاية الفقيه منها:الرواية الأولى: مقولة عمر بن حنظلة وفيها:»سألت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث،فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحلّ ذلك؟.فقال(عليه السلام):من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً وإن كان حقاً ثابتاً له؛لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر اللَّه أن يكفر به قال اللَّه تعالى:»يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِه»النساء:60.قلت: فكيف يصنعان؟!،فقال(عليه السلام):ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً،فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنما إستخف بحكم اللَّه وعلينا ردّ.والراد علينا راد على الله وهو على حد الشرّك بالله».والرواية سميت بالمقبولة لأن العلماء تلقوها بالقبول وعملوا بها.
إن معرفة كيفية دلالة الرواية على ثبوت الولاية للفقيه تتضح من خلال ملاحظة الآية الواردة في الرواية وهي قوله تعالى:»إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيراً ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ امَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ امَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا» النساء: 58-60.إن هذه الآيات الثلاث مترابطة في المعنى. فإن الآية تبيّن وظيفة أولي الأمر وهي الحكم بالعدل، ووظيفة الناس وهي الطاعة لأولي الأمر، ولا شك في أن أولي الأمر شامل للأئمة (عليهم السلام) ولكن عنوان أولي الأمر يشمل كل من كانت حكومته مشروعة ومن كان له حق الأمر والنهي. والإمام (عليه السلام) يبيّن في الرواية أن الفقهاء العارفين بالأحكام قد ثبت لهم هذا الحق ولذا تجب طاعتهم. وذكر الإمام (عليه السلام) للآية فيه إشارة إلى أن الطاعة للفقهاء هي من طاعتهم (عليهم السلام) وهذا يعني أن ما ثبت للأئمة من الولاية ثابت للولي الفقيه.
• الرواية الثانية:
رواية إسحاق بن يعقوب إذ قال:»سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان(عجل الله فرجه):»..وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة اللَّه».وقد ذكر الشيخ الأنصاري:»أن المراد بالحوادث ظاهراً مطلق الأمور التي لا بدّ من الرجوع فيها عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس..» أي لا بدّ من وجد فقيه جامع للشرائط يحكم دون غيره.



