اراء

لماذا رفع محافظ كركوك علم الإقليم فوق مبنى المحافظة ؟

4497

محمود الهاشمي

ان تاريخ الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني تمتد الى عام 1963م ..وهذا الخلاف طالما كان خلافا دمويا ،ولولا تدخل البريطانيين والاميركان عام 1991م بين الحزبين لبقي الخلاف على أشده ولما تشكلت حكومة واحدة تضم اربيل والسليمانية بعد ذلك . ان جذر الحزب الديمقراطي الكردستاني عرقي متعصب والملتحقون به اغلبهم من ابناء الريف الذين يرون في اسرة (بارزاني) تمثل الارث الديني والوطني لكردستان (باعتبار ان الاسرة كانت قد وردت الى كردستان العراق في العهد العثماني وسكنت منطقة بارزان ومثلت الجانب الصوفي للدين الاسلامي انذاك .. ثم تحول الى جانب قومي وتحرر) فيما الاتحاد الوطني جذره ماركسي اشتراكي (اممي) يرى في الثقافة وسيلة للتحرر وان الاحزاب الخمسة الاخرى التي التحقت به جميعها قريبة من تطلعاته،وهذا ما تلحظه الان في المستوى الثقافي بين السليمانية (معقل الاتحاد الوطني) وبين اربيل (معقل الديمقراطي) هذه التوجهات هي التي ارخت لهذا الخلاف ، وإذا كانت الاحزاب الاسلامية قريبة يوما من الديمقراطي (البارتي) لعدم نضوج فكرها وانتظام قياداتها ،فقد شكلت فيما بعد شخصيتها الثقافية والفكرية وانتظمت في احزاب قريبة من الاحزاب الاسلامية المنتشرة في البلدان الاسلامية وخاصة اخوان المسلمين ، فبقيت في منطقة الوسط فلاهي تميل الى البارتي المتعصب قوميا ولا الى الاتحاد الذي لديه شيوعية تصنف لديهم على انها (الحاد). استطاع مام جلال -كما يحلو للأكراد تسميته- لما فيه من مدلول ابوي -بعد سقوط النظام البائد ان يكسب رضا العراقيين جميعا بل والعرب اجمع حيث ، ترأس القمة العربية في بغداد ونجح ان يكون رقما مهما في المعادلة السياسية العربية ، وكان ذلك محط تقدير للاتحاد الوطني الكردستاني في الاوساط الكردية والتي ازعجت مسعود كزعيم للبارتي وللكرد كما يريد هو لنفسه ،مما دفعه الى عدم حضور مؤتمر القمة ببغداد كما دفعه (الانزعاج) الى عدم زيارة مام جلال في مرضه بالسليمانية !! كان مرض جلال طالباني قد وفر فرصة لمسعود في التمدد والطغيان والانتقام من كل الذين مالوا الى جهة جلال طالباني ،وحاول ان يهاجم الاقليم من الداخل عبر البيشمركة والاسايش والمال ،ومن الخارج عبر تركيا وبعض دول الخليج،خاصة وان اردوغان وجد في مسعود شخصية ناقمة وباحثة عن هويتها ، وشعوره بالفراغ بعد استراحة الحرب الطويلة ضد الانظمة السابقة ، فحاول ان يسوقه على انه بديل مناسب ضد زعيم الكرد الاتراك المعتقل (عبد الله اوجلان) لذا حين زار مسعود تركيا استصحبه اردوغان الى منطقة ديار بكر الكردية ووفر له فرصة القاء كلمة امام الاكراد هناك ،مما دعا حزب اوجلان ان يصدر بيانا يدين فيه الزيارة والخطاب ،ويهدد اردوغان بان يصنع شخصية بديلة لاوجلان !!عمد اردوغان الى تشجيع مسعود لتهريب النفط العراقي عبر تركيا وإيداع المبالغ في المصارف التركية ،وحثه لاستدعاء شركات اجنبية لحفر المزيد من الابار النفطية في الاقليم ،خارج علم الحكومة الاتحادية وبأسعار واستثمارات خيالية حدا تصل الى عقد مع شركة دانماركية لمائة عام وبمبالغ اغلى من سعر البرميل المستخرج !! لسوء حظ الاكراد والعراق ، لم تظهر شخصية قوية تعقب مام جلال بقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني ، بل العكس استطاع مسعود ان يقرب شخصيات من الاتحاد اليه ويكسبهم شيئا لصالحه مثل (برهم صالح) .. فيما بقي زعيم قائمة التغيير نوشروان مصطفى منكفئ على حيزه في السليمانية دون ان يكون له نشاط مع بغداد والخارج ، كما لم يصطف كثيرا مع الاتحاد الوطني -مع انه كان احد قياداته- للوقوف أمام توجهات مسعود. ان النجاح الكبير الذي تحقق في اصطفاف الاتحاد الوطني مع التغيير والأحزاب الاسلامية الكردستانية تجلى في عدم تجديد الولاية لمسعود ، وانتهى الى شبه انفصال بين اربيل والسليمانية .. يبدو ان الوثيقة السياسية (السرية) التي وقعت من قبل الشخصيات السياسية و(من ضمنهم مسعود) التي خططت لتغيير حكومة المالكي وإبدالها بحكومة العبادي تضمنت بندا يسمح لإقليم كردستان بـ(الانفصال) ، ودليلنا ان الوفدين اللذين حضرا الى بغداد قبل شهرين الاول بقيادة نيجيرفان بارزاني والثاني بقيادة مسعود نفسه ، قد صرحا بانهما ناقشا مع بغداد موضوع (الانفصال) وأكدا ان ذلك ورد في (الوثيقة السياسية) فيما لم ترد الحكومة على ذلك وكأنه حقيقة لا غير !! عمد مسعود الى سياسة الانتقام من خصومه ، في السليمانية الذين لم يجددوا له الولاية وهاجمهم عبر اصدقائه من الذين وقعوا (الوثيقة السياسية) وخاصة حكومة بغداد ،حيث بقيت واردات النفط تصل ليد مسعود كما هي برغم انه لا يملك منصبا ، لينفقها حيث يشاء ويقطعها عن (خصومه) في السليمانية بدعوى انخفاض اسعار النفط ، ونتيجة لسياسة التجويع التي استخدمها مسعود مع السليمانية خرجت التظاهرات في السليمانية وراحت تضغط على الحكومة المحلية ، بل الانكى من ذلك عمل السيد مسعود بارزاني على جلب شركات تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني للاستثمار في حقول كركوك النفطية لان الحكومة المحلية في كركوك بإدارة الاتحاد الوطني الكردستاني ، واستقدم مسعود قوات بيشمركة تابعة له في حراسة الابار ..وهذا تم بعلم الحكومة في بغداد وبتخطيط مشترك !! لم يجد الاتحاد الوطني الكردستاني من سبيل سوى احتلال ابار كركوك للدفاع عن نفسه بعد ان استقدم قوات بيشمركة تابعة للاتحاد من السليمانية، أمام زحف مسعود عليهم وتماهي حكومة بغداد معه !! لا شك ان محافظ كركوك قد زار بغداد للتفاهم حول هذا الموضوع وشرح سياسة التجويع التي اتبعها معهم مسعود وطالب بميزانية خاصة للسليمانية وكركوك ومناطق نفوذهم فلم يصغ له احد ، وكان قد سبق ذلك زيارة وفد من الاتحاد الوطني الى بغداد ولقائه بمعظم قيادات الاحزاب العربية ، وتبعها زيارة السيد المالكي الى السليمانية وطرح الموضوع ايضا ، ثم الزيارة الاخيرة لمحافظ كركوك الى الولايات المتحدة ولقائه بالمسؤولين الاميركان ، ليعود ويرفع العلم !! لم يتفهم الكثير من سياسيينا ما جرى بل اثارهم رفع علم الاقليم على مبنى محافظة كركوك ، وراحوا يتحدثون عن الانفصال وعمدوا الى اصدار قانون يلزم المحافظ بإنزال العلم !! لقد خدم السادة النواب السيد مسعود بفعلهم هذا وجعلوا محافظ كركوك ومعه حزبه (الاتحاد الوطني) في حيرة وسرعان ما استفاد السيد مسعود من (حيرته) وعاجل بالوقوف معه ،بل وعاجل بدعوة الاتحاد الوطني للاجتماع معهم في اربيل ، بعد قطيعة شديدة ،وراح ينظر عليهم بـ(الاستفتاء) و(الانفصال) ليكون واقع حال على الجميع .. أقول ليس لدينا حتى هذه اللحظة طبقة سياسية واعية ومازالت تتعامل مع التحديات التي يمر بها البلد بتسطح عال ، ولا تريد ان تصغي لرأي رشيد ، وتعلم جيدا ان مسعود سوف يبقى ولدا طيعا بيد اردوغان يدفع به شمالا وجنوبا ،ويبقى الشعب الكردي ضحية هذا التخبط، وكذلك الشعب العراقي بشكل عام ،ومسعود لم يصغ الى وصية (يحيى اوغلن) الزعيم الروحي السابق لحزب التنمية والعدالة الذي حذره فيها من اردوغان وأحابيله .. وأوصاه ان مسعود اخر ما يفكر فيه ان يكون للأكراد دولة.البعض يرى ان نستفيد من انتصارات قواتنا الامنية والحشد الشعبي ليكون معادلا امنيا ،في فك هذا الاشتباك وإعادة الامور الى نصابها ،وآخر يدعو الى الاستفادة من الجمهورية الاسلامية الايرانية في علاقتها مع الاطراف السياسية الكردية في الضغط وخلق اجواء تفاهم ،وتبقى الحلول رهن جدية الحكومة في ذلك.وإلا سيتحول البلد الى ممالك وإمارات .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى