طريق العلم


عظَّم الله العلم وشرَّفه فكانت أول كلمة أوحاها الله لنبيِّه «اقرأ» ورفع حامله درجات فقال عزّ وجلّ:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾.وفرضه على كل مسلم فقال خاتم أنبيائه صلى الله عليه وآله وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم».وقارن أمير المؤمنين عليه السلام بين العلم والمال قائلاً لصاحبه: يا كميل العلم خير من المال: العلم يحرسك، وأنت تحرس المال,والعلم حاكم، والمال محكوم عليه,والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.
وبيَّن أهل بيت العصمة عليهم السلام ثواباً كبيراً لسالك طريق العلم فأخبرنا نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أنه: كالصائم نهاره القائم ليله,وتظله ملائكة الله,قد بورك له في معيشته,وتستغفر له الأرض,ومن عتقاء الله من النار,ومن أصحاب مواطن الكرامة في الجنة..فإذا جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيى به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة..نبَّه أهل العصمة عليهم السلام على الاهتمام بنوع العلم وصفته حتى لا تملأ نفس الإنسان بما يضرها، أو على الأقل بما لا ينفعها، ففي وصية الخضر عليه السلام لكليم الله موسى عليه السلام: «…واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك»من هنا كان نافع العلم شرطاً أساسياً في العلم المطلوب في كلمات أهل البيت عليهم السلام. وهذا ما عبّر عنه صريحاً نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم في قصته المعروفة حينما دخل المسجد فإذا جماعة قد طافوا برجل، فقال: ما هذا؟ فقيل: علاَّمة، فقال، وما العلاَّمة؟ فقالوا: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية، والأشعار العربية..فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه»، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، وفريضة عادلة، وسنّة قائمة، وما خلاهنَّ فهو فضل»اشترط أهل بيت العصمة عليهم السلام في العلم المنجي شرطين أساسين: الاول أن يكون لأجل العمل..يقول الإمام الخامنئي دام ظله: «ليس الإنسان بصالح إذا كان عالماً ولكنه لا يخدم بعلمه، فالإنسان الصالح هو الذي يجمع بالإضافة إلى علمه نية الخدمة والعمل»..الثاني:الإخلاص لله تعالى..فعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من تعلَّم علماً مما يبتغى به وجه الله عزّ و جلّ، لا يتعلمه إلاّ ليصيب به غرضاً من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة»..أرشد أهل البيت عليهم السلام إلى جملة من الأمور في طريق تحصيل العلم نذكر منها:
• الكتابة:فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «قيّدوا العلم. قيل: وما تقييده؟ قال كتابته»..بل ورد عن نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم: «إن المؤمن إذا مات وترك ورقة واحدة عليها علم، كانت تلك الورقة ستراً له فيما بينه وبين النار، وأعطاه الله تعالى بكل حرف مدينة أوسع من الدنيا وما فيها».
• المذاكرة:وهي تتحقق باجتماع مجموعة من الطلاب فيقوم أحدهم بدور الأستاذ فيعرض الدرس شارحاً له، بينما يستمع الباقون إليه بإنصات.ولا يخفى ما لهذه المذاكرة من أثر في ترسـيخ الـدروس عنـد الطلاب لا سيما المتصدي لشرح الدرس، كما لا يخفى دورهـا في تمتين لغة العرض، وضبط المطلب العلمي لدى الطالب مما يؤهلـه للتعليم بجدارة.
• مجالسة العلماء:ففي حديث أمير المؤمنين عليه السلام عن العلم وفضائله قال: «… ورجله زيارة العلماء»، ثم قال: «… وجيشه مجاورة العلماء»ومن لطيف ما ورد في مجالسة العلماء معالجة الإمام زين العابدين عليه السلام في دعاء أبي حمزة الثمالي لقضية التراجع الروحي عند الإقبال في عبادة الله تعالى..فينبغي أن نتذكَّر دائماً أن العلم طريـق لتهـذيـب النفس الإنسانية سعياً للقرب من الله تعالى على القاعدة التي ذكرها إمام الأمة الراحل قدس سره: «إذا حرَّكتم قدماً في طريق العلم فعليكم أن تحرِّكوا قدمين في تهذيب النفس».



