قصص قصيرة


د. محمد الدفراوي/كاتب مصري
لقطة قصيرة
قدمت الدفوع والمذكرات تتطالب ببراءة المتهم من التهم التي نسبت إليه: يكفيه يا سيدي أنه أحرق عقله قبل كتبه و لم ينجُ من الخبل! كان قد أدين في عدد من قضايا النشر. قبض القاضي على قلمه الرصاص، وبعد انقباضات لعضلة الوجه، حرك القلم على الصفحة في حركة معقده من المنحنيات والدوائر.
وقع باسمه: براءة المتهم مما نسب إليه!
اﻷصدقاء الثلاثة
انزوى عن صاحبيه جانباً، يطيل التفكير ويردد كلمات غير واضحة؛ حلت به النكبة كالصاعقة. فبعد الثراء والجاه العريض، سقطت على بيته القنابل في صدر الظلام فالتهمت أسرته وبهجته!
حلّ به المرض الكريه، بلا رجاء منه سوى انتظار الموت. احتلته الذاكرة وعذبته وأقعدته. نسف من قاموسه ألفاظ العدل والظلم والخير والحق، لم يعد يستطعم لها ذوقاً، ليس لها معني عند فقد الرغبة في الحياة!
انصرف عن المواسين له؛ زهد الكلام، لعن يوم مولده ألف ألف مرة، تمنى أن لم يكن أتي الحياة او عاشها نفساً واحداً!
راع صاحبيه ما يسمعانه من سخطه وزمجرته، عبثاً حاولا إخراجه من مصيبته وخباله. صرخ فيهما: وهل يكون جزاء العادل ما حدث لي؟!
زادت نقمته على الحياة، رغى وأزبد، مزقه اﻷلم كل ممزق، خلد المبتلى للجلوس وحده يمضع ألمه وحسرته. رعدت السماء رعودها ودمدمت، هطلت على نحو لم يره قبل. استشعر مهابة وخشوعا، بدا صغيرا أمام كون فيه ما لم يفهمه ولا غيره. حنى رأسه، لا عن ألم، بل تسليم وتسبيح.
الدودة الفاسقة
مدت رأسها اﻷسود المدبب تتنسم رطوبة الفجر ونداه وتتحسس اﻷرض ببطنها. وليس أعجب ممن يمشي على اﻷرض ببطنه. بدوائرها الحلزونية رأت نفسها في المرآة أطول من ثعبان البراري. تنفست بعمق بطن الملك، تتلوى بحركة بطيئة كخيط دخان تعبث به ريح في سراب، تؤثر التريث الماكر في السعي لاتهام فرائسها الغوافل، لكنها تقيم على ما نوت وما نوت اﻹ بما يتفق مع مشيئة الشيطان. فما من فجر اﻹ وتطلعت لشر جديد! من دون أن تخشى كسب العار، لكنها كانت تحترس من أنفاس الغراب الفجة. فاعترافها بالخوف من الغراب كانت تعدّه نقشها الفرعوني، فمن عرف اﻵخرين فقد عرف نفسه جيداً.
ببراءة الخبيث تدعو الله أن يقيها شر فساد الغربان. فأراضيها الشاسعة، الخصيبة الممرعة هي للغربان شواسع من القذارة.



