ثقافية

كوابيس

4153

أمين صباح كبة

يتعمق نجيب في توضيح الاجزاء لطلابه، يعطي صوته الهادئ اطمئنانا لنفوسهم المضطربة بسبب الامتحان، يقف في مقدمة القاعة مشيرا بسبابته الى اجزاء الجمجمة، ويغوص في حديثه حتى يلاحظ تغير ملامحهم. انهم على اي حال ليسوا اول من مروا عليه، يتكرر هذا الموقف كل عام، وبعد ان انهى محاضرته لاحت على وجهه ابتسامة وديعة ثم قال: استعدوا للاختبار وركزوا في الاجابة لا اريد منكم ان تتعمقوا كل ما اريده منكم رؤس اقلام.
وأدار ظهره معلنا نهاية المحاضرة.
انفجارات، هياكل متآكلة، جثث اطفال، صراخ يعلو من كل مكان، هذا ما تمثل امام ريم عندما انقطع صوت الاستاذ، لقد غابت عن الوعي عندما تذكرت انها لم تكمل مادة الامتحان وهي تستعيد ما مر عليها قبل ان تدخل المكان الذي طالما تشبثت به احلام طفولتها وشبابها. لم تكن تريد شيئا اكثر من ان ترتدي ذلك الرداء الابيض.
ها هو الماضي يمثل امامها، اول حرف تخطه، اول درجة كاملة في الاملاء، اول امتحان وزاري، واخر امتحان وزاري، حلم ساذج تشبثت فيه وكل زملائها، لوحة بيضاء تثبت عليها ورقة قياس A4 ومسطرة على شكل حرف T ومثلثات. يعود الى ذاكرتها رداء ازرق طالما كرهته وحاولت ابداله باخر ابيض، تعود الى مسامعها زغرودة بانين مكتوم مصحوبة بدموع لا تدري اهي دموع فرح ام الم.
التف زملاؤها حولها واسندوها، منهم من قلق عليها ومنهم من دارى قلقه وخوفه بضحكة اطلقها. خارت قواهم ام استسلموا في بداية الطريق. اغلبهم ردد هذه العبارات وملامحهم متعبة بأعين لم تذق من النوم الا ساعة او ساعتين، حتى اكبرهم برغم المامه بمادة الاختبار، لا يزال قلقا وخائفا.
وقد تكون لهذه الساعة او الساعتين حكاية اخرى، فقد تزورهم فيها سلسلة من الكوابيس وربما تنقضي بتهيؤات تبعث الخوف في نفوسهم فتحرمهم لذة النوم.
دخلوا هذا المكان بارادتهم ولطالما كانوا يصفونه بالحبيب او الحبيبة حتى ان احدهم اطلق على نفسه شاعرا ما ان تغنى بحبيبته بهذا البيت:
مرت على ضفة الاحلام راقصة
اذا تلوح صرنا كالمجانينِ
يعلو من بعيد صوت انفجار، فتكتسي سماؤهم بالسواد، بينما يرددون في داخلهم تلك الابتهالات وترتفع الى رؤسهم بعض الاسئلة التي تصب في سؤال واحد: هل ينالهم انفجار في مكان ما ليبعدهم عن تلك الحبيبة؟تستعيد ريم وعيها ويعلو صوت الاستاذ مناديا طلابه لخوض الامتحان فيلبون ندائه، ويبقى لفضاء القاعة سكونه الموحش وهو يسمع ما صعد من تساؤلات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى