اخر الأخبار

أصحاب الحسين «عليهم السلام» .. أهل البصائر

الموقف هو التعبير – سواء كان لفظاً أم فعلاً – عن تجلٍّ لقرارٍ صادرٍ عن مكنونات القلوب وثوابت العقول. إنه ظهورٌ حيّ لنتائج معركةٍ داخلية خاضها المقرّر بين جنود العقل والجهل أو هو تعبيرٌ عن ميولٍ ورغباتٍ محسومةٍ عند الإنسان.
فالعقائد والمعارف والرؤية النظرية السليمة تُحرّك مشاعر الإنسان وعواطفه باتجاه الحقائق، فيصبح العقل والقلب في خطٍ واحد، ما يُسبِّب قرارات ومواقف قد تظهر عملياً من خلال حركةٍ أو قولٍ ولفظٍ يقوم به صاحب الموقف عند التحديات,ولقد حكى لنا القرآن الكريم مواقف تحوّلت إلى عبارات خالدة، كموقف السحرة ومؤمن آل فرعون ومؤمن آل يس وهابيل وعموم الأنبياء والمرسلين,وتبقى عناوين كربلاء ذات بريق خاص يتجلّى في كل زمان ومكان,فإنّ مواقف كربلاء الواصلة إلينا، رغم قلّتها، كانت مدوّية صدّاحة، أوضحت لنا كيف يكون الموقف متناسباً مع المناسبة ليظهر في أبهى تجلياته، ويكون له وقعٌ عميق في العقول والقلوب..يمكن لنا إبراز أهم سمات ومميزات هذه المواقف في:
• الوعي: “أتؤمننا وابن رسول الله لا أمانَ له”تظهر البصائر حين يمتزج الإحساس بالإدراك ويتحوَّل إلى انفعال، فتتحوّل الأفعال إلى أهداف ذات خلفيّات على مستوى الرسالة والقضيّة.ويظهر لنا موقف زهير بن القين حيث هدّده الشمر ورماه بالسهم: أفبالموت تهدّدني؟ فوالله لَلموت معه أحبّ إليّ من الخلد معكم.
• الإخلاص والخلود: “ولأضربنّ بسيفي دونكم حتى ألقى الله”في كثيرٍ من الأحيان قد يُصدر الإنسان مواقف بخلفية المصلحة الدنيويّة الآنية المحدودة، وفي بعض الأوقات تدخل فيها شوائب الرياء والأنا والرغبات والمطامع والمكاسب.
ما يُميّز رجال كربلاء أنهم صفوةُ الذين انطلقوا من مكة وغُربلوا أثناء الطريق، فلم يستقرّ منهم إلا المخلِصون. وحين اشتدّ البأس وأصبحت الحتوف ثمناً للموقف مُحّصوا فلم يبقَ إلا أصحاب المواقف الصادقة.
• التفاني: “لوددت أني قُتلت ثم نُشرت ثم قُتلت”.
مهما عظمت بلاغة الموقف، فإنّه قد يبقى قاصراً عن التعبير عن مكنونات القلوب. فحين نرى مواقف معبّرة عن نيّات صادقة، نتلمس بعضاً من حقائقها، وتساعدنا عدالة مُطلقيها للتيقّن من مضمونها.
• الحزم وعدم التردّد: “لقد بلوتهم، فما وجدتُ فيهم إلا الأشوس الأقعص”قد تؤدّي الظروف الصعبة والرهبة من التداعيات بالإنسان إلى أن يتّخذ موقفاً مُبهماً ليحفظ نفسه ومصلحته، أو يتخذ موقفاً متردّداً ليتراجعَ عنه حين يصبح الوقوف على التل أجدى من خوض الغمار. في كربلاء، بعد تمحيص طليعة الإيمان، لا تجد إلا المواقف الواضحة الحاسمة الحازمة، التي لا تقبل التأويل ولا يشوبها التردّد. ففي بداية كربلاء، حيث جمع حبيب أصحابه وتوجّه نحو عقيلة الهاشميّين.
• ربط الموقـف بالعمل:إنّ من أعظم الطعون التي توجّه للمواقف، هي أن تكون المواقف نظريّة ليس لها تطبيق على أرض الواقع، أو أن تكون خطابات شعبية تُفتقد عند الامتحان. لقد أثبتت النخبة الكربلائية صدق مواقفها حيث حوّلتها إلى واقع في ميدان التّحدي، حيث تجلّت بأجمل صورها في بهاء انضمام الفعل إلى القول بنزف الدم وحزّ الرؤوس ودَوس الأجساد. من الملفت، نهايةً، أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يُرد أن يكون التجسيد العملي للمواقف بسبب كون أصحابها أسرى مواقفهم، فترك المجال للجميع أن يتراجعوا في سدول الليل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى