المراقب العراقي تنشر رواية «الشيطان يحكم العاصمة» للكاتب المصري فرحات جنيدي


فرحات جنيدي كاتب وقاص مصري، مدير مركز الحوار لبحوث الرأي العام والدعاية والاعلان، عضو اللجنة المركزية للحزب الناصري، كتب المقالات في عدد من الصحف والمواقع العربية، صدر له كتابان (الأحزاب والمال السياسي .. مقالات في الشأن المصري)، و(رائحة الدم الطيبة.. مقالات في الشأن العربي)، اضافة الى أن كتاباته شملت: المسرح (دموع ضاحكة)” 2003 ـ عرض على المسرح العائم وساقية الصاوي. السيناريو (حدود من نار) 2004. الرواية (أحزان الأفاعي) 2011. له كتابان في عالم القصة القصيرة: (قانون صاحبة العطر) 2015، و(مهاجرون) ومضات قصصية 2016. تنفرد (المراقب العراقي) بنشر رواية (الشيطان يحكم العاصمة) اسبوعيا، للكاتب فرحات جنيدي قبل طبعها وتوزيعها في مصر او في أي مكان آخر، وهي بذلك تؤكد تواصلها مع الثقافة العربية، ودعمها للكتاب والمثقفين في كل مكان.
الفصل الحادي عشر
تسابقوا عليها كذكور النحل وهي تجري كالريح لا تعطيهم فرصة الاقتراب منها, تنظر خلفها فتجد نفسها قد ابتعدت عنهم كثيراً, تقف في شموخ تنتظر اقترابهم منها، فلما اقتربوا تحركت بدلال ثم توقفت وهي تنظر إليهم فلما التقت عيناها بعيونهم دبت الرغبة فيهم من جديد, كل منهم ظن أنه الأفضل وأن تلك النظرة نداء خاص له فكان قرار كل منهم أن يتخلص من الآخر فتعاركوا وارتفعت أصواتهم فهزت سكون الطريق, وتناثر التراب من أسفل أقدامهم حتى حجب الرؤية والهواء, تركتهم وقررت الرحيل ولكن الرغبة أشعلت النار في جسدها فوقفت على مقربة منهم تنتظر من ينتصر في المعركة, لم تمضِ لحظات حتى اقترب أحدهم منها فوقفت في دلال وأدارت له ظهرها في استسلام فأمسك بها وهو يصيح بقوة ثم ألقى نظرة خلفه فوجدهم لم يستسلموا بعد بل يقفوا متربصين له, لم يهتم وهم عليها لكنه كان سيئ الحظ حيث فوجئ بعصا تمسكها يدي وتنزل فوق رأسه بقوة وحقد وكراهية, لم يقاوم كثيراً وشعر بدوران الأرض حوله فصرخ بصوت متقطع وهو ينظر خلفه على رفاقه فلم يجد غير التراب الذي تركوه خلفهم فتركها وهرب بينما وقفت هي في انكسار غريب, أرسلت إليها الضربات فوق رأسها بكل ما أوتيت من قوة, نكست رأسها في الأرض في خضوع ونظرت نحوي وهي تعوي بحزن شديد وكأنها تقول لي: كفى. فكانت المفاجأة أكبر مما تخيلت، ولم يكن عواؤها تذللا لي أو طلب الرحمة، بل كانت تنادي على من ينقذها من بين يديّ. وجاء من يلبي النداء بسرعة وأرسل لرأسي ضربات متتالية بعصا غليظة أفقدتني توازني، فوقعت على الأرض أحتمي بتراب الطريق. كانت فتاة ذات وجه جميل باسم برغم الغضب الذي حل عليها والقسوة التي تجسدت في ضرباتها على رأسي وصوتها الرقيق الصافي الذي تعكر بإرسال اللعنات عليّ, تركتني خلفها يرتوي تراب الطريق من دمي ومضت بعدما أمسكت بها برفق وجرتها خلفه, كانت كلبة مختلفة بعض الشيء عن كلاب الإله “نتر” أجادت العواء لكنها افتقدت العض, احتضنت الطريق ونهضت أضمد جرح رأسي بيدي بينما عيناي تطاردان تلك الفتاة الرائعة الحنونة التي أنقذت الكلبة من بين يديّ وكرمتها بالمسح بيديها على رأسها مما جعلني أحسد تلك الكلبة وأتأملها لأعرف كيف جذبت فتاة بهذا الجمال إليها؟ وكيف لفتاة رقيقة القلب مثلها أن تجعل من تلك الكلبة كائنا يدعوك أن تحبه وتقربه منك لا تكرهه أو تخاف منه ككلاب الإله “نتر” المتوحشة. نهضتُ وتحاملت على جسدي ونسيت جرح رأسي وأكملت السير خلفهما وأنا أتأملهما بتعجب, كان بتلك الكلبة شيء من الاختلاف عن كلاب الإله “نتر” وبها شيء من الجمال حيث تتميز برأسها القوي وأنفها الأسود والعينين الداكنتين العميقتين والأذنان متوسطتا الحجم المستديرتان عند الرأس والذيل المنتصب الطويل الممتلئ بالشعر محمولاً ومرفوعاً على الظهر وسيقانها صلبة وأقدامها مغطاة بالشعر, معطفها كثيف وخشن يحميها من البرد, هي حقا مختلفة مثلما كل شيء هنا مختلف عن العاصمة التي نعيش أسرى بين جدرانها.
كل شيء هنا يسرق العين منذ اللحظة الأولى لكنه لا يحدث الدهشة فمنذ أن عبرت النهر حيث الجانب الثاني للعاصمة وأنا أشعر بتلذذ عيني بما تشاهده, لكن عقلي يتمرد على تلك اللذة وعين عقلي تصف ما تراه من مبانٍ متسعة ومرتفعة مزينة بالأشجار المثمرة بأنها خالية من كل جمال, وتأتي الدهشة لحظات فتضحكني وأنا أسخر في داخلي من عقلي الذي يتمرد على كل ما تتلذذ به عينيّ للمرة الأولى في حياتي ويبادرني سؤال: أي جمال يتمرد عليه عقلي وأنا صاحبه لم أرَ في حياتي جمالاً؟ بل لا أعرف للجمال وصف, يصرخ في عقلي ويقول الجمال الحقيقي هو ما تراه في عيون سكان تلك المباني بغض النظر عن كل جديد تشهده في خطواتك يريح النفس والعين, فلا قيمة لكل تلك المساحات الخضر التي تضيف بهاءاً ورونقًاً للوجه الثاني من العاصمة من دون إنسان يمنحها الجمال, انتبهت لنفسي وصدقت عقلي، فأنا لم أشهد أي بشر داخل أو خارج تلك المباني الكبيرة، وكأنها خالية لا يسكنها غير أشباح لا يستطيع من هو مثلي أن يراها, أين سكان تلك المباني والقصور؟ أين الرعية؟ أين الحياة؟ وفجأة وقع نظري على الدون “خرخور” الذي أذهلني بملابسه الأنيقة وهو يقترب من حائط بيت رائع التصميم ويتبول عليه بكل هدوء كأنه في بيته. اشمأزت روحي للمنظر المقرف الذي ذكرني بحياتنا في العاصمة, اختبأت خلف أحد الأشجار حتى لا يراني “خرخور” الذي انتهي مما هو فيه وأكمل سيره حتى دخل بناية أكثر جمالاً وروعة تقف شامخة وسط مساحة خضراء كبيرة تتميز بمناظرها الخلابة وبها أزهار متنوعة الأشكال والأنواع وأشجارها عالية جداً وثمارها يانعة، توحي أنها لذيذة يجب أكلها, وعلى أغصانها عصافير مغردة وبها أعشاش كثيرة تغرد ألحاناً شجية يطربك سماع غنائها وتغريدها, وفي تلك اللحظة ظننت أن هذا الجمال كله ملك لذلك القاتل المتجبر “خرخور”، فمضيت ألعنه وامتلكني دافع قوي في أن أنقض عليه وأقتله. لكني فجأة رأيت العشرات من الرجال والنساء في ملابس أنيقة ومن بينهم المرأة الأربعينية يخرجون من تلك البناية ويملأون الشوارع الخالية بالحياة وما زاد من دهشتي أن عيون الكثير منهم وقعت عليّ ولم يهتم أحد بوجودي أو يبدي استغراباً بما فيهم المرأة الأربعينية, وقفت كالتمثال لا أعرف ماذا أفعل؟ وإلى أين أذهب؟ خلوت بنفسي أتأمل الطبيعة لأجد نفسي فوق بساط أخضر مليء بالأزهار الملونة المختلفة وكأنه جنة صنعها الإله في تلك الأرض فنظرت إلى السماء الصافية وبهرت بالأشجار الرائعة، وطربت لألحان الطيور الهادئة وهذا الورد يبث برائحته ليعطر الوجود، وهذه العصافير تغرد لتكتمل الطبيعة ببهائها. لكن لا شيء يكتمل في حياتي, هاجمني بعض الجند وأرادوا الإمساك بي فهربت منهم فطاردوني حتى وصلت إلى الطريق القريب من باب النهر فاختبأت حتى امتلكهم اليأس، وعادوا ولم يخرجني من مخبئي هذا غير تلك الكلاب، التي تنافست على تلك الكلبة والتي أثارت في نفسي الكراهية والرغبة في الانتقام.
نهضت وأكملت سيري خلفها حتى اقتربت من بيت صغير بين جبلينِ يرقد كالميت بلا كفن تحيط به مجموعة من أشجار النخيل تقف في شموخ وكأنها جند يسهرون على حمايته, دخلت البيت وأغلقت الباب خلفها فحجبت عن عينيّ النور الذي يشع من وجهها والسحر الآخاذ الذي يخرج من العينين كالسهام يصيب القلوب بلا رحمة لتحترق بنار الخدين وجلال النهدين, ظلت الدهشة تسرق علقي وتنسيني الجرح الذي في رأسي، بل نسيت ما هو أكبر منه وهو هدفي الذي من أجله عبرت جحور وشقوق مجرى النهر القديم حيث هذا العالم الغريب في الجانب الآخر من العاصمة. كل شيء في عقلي توقف إلا رغبة تدفعني بأن أبقى بالقرب من بابها لكن هزتني صرخة بداخلي. ما لهذا عبرت النهر ما لهذا عبرت النهر, صرخة تناديني أن أنهض وأتحرك في طريقي الذي اخترته وعبرت النهر من أجله وأن اكتشف المزيد من هذا العالم, يأتيني صوت حارس باب النهر عندما تكتشف الوجه الثاني للأشياء ستصل للحقيقة, يهزمني فضولي ورغبتي في كشف حقيقة تلك الفتاة, أُغلقت كل نوافذ الصبر في وجهي فلم أجدني غير مندفع خلف رغبتي وفضولي أدورُ حول بيتها الصغير المبنى من الطين وأعود إلى بابها المصنوع من الجريد الجاف لا أدري كم مرة. درتُ حول البيت حتى اكتشفت نافذة صغيرة فاقتربت منها كاللص وعلى مسافة قريبة من النافذة سرق نظري بصيص ضوءٍ يتلألأ داخل البيت, لم يكن الضوء من مصباح أو شمعة، بل كان ضوء عينيها الواسعتين وزاد الضوء ضوءاً عندما ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تنحني نحو الكلبة وتحتضنها كأنها طفلتها التي في قلبها اشتياق كبير لها. تمنيت في نفسي أن أكون مكان تلك الكلبة أو أتحول إلى شعرة في رأسها بعدما مضت تلك الفتاة الساحرة تداعب بأصابعها فروة رأس الكلبة لكن قلبي تألم كثيراً وأنا أطرب لسماع صوتها الممتلئ بالحزن والمحمل بنسمات الشجن والحنين وهي تتحدث للكلبة. وقالت: لا أحد يهتم بي هنا أوهناك غيرك حتى الماء تغير وأصبح له مذاقًاً مراً يشبه شراب الحنظل, تمضى بي الساعات والأيام وأنا لا أعرف هل كنت في غرفتي أم كنت في ديوان القرابين. امتلكتني الدهشة والذهول بعدما ذكرت ديوان القرابين لكن الشجن الذي في صوتها جعلني لا أنشغل كثيراً بهذا الأمر ودفعني لأن أتابعها وأستمع لما تحدث به كلبتها. أكملت وقالت: آه، كنت في غرفة أمي, نعم ذلك السرير الدافئ العَطِر برائحة أبي, لا لا كنت هناك أتحدث إليه في سجنه, لكن لماذا هو صامت محدق نحوي بشكل مخيف, أمسكت برأس الكلبة ورفعتها أمام عينيها وقالت بحزن شديد: أتدرين يقولون؟ أنه هرب من سجنه عند ذلك الشيطان، لكن هناك من يقول أنه مات وأعلنت موته تلك المتجبرة زوجة الشيطان “نتر”, هل حقًا مات؟ ومات صوت أبي الذي أنجبني ولم أسمعه منذ أن كنت في الخامسة من عمري؟ تعوي الكلبة بصوت ضعيف فتصرخ فيها: لماذا أفرح؟ نظرت إليها الكلبة ثم نكست رأسها ومسحت بمؤخرة رأسها بطن الفتاة, بادلتها الفتاة النظرات ورفعت يدها عنها ووضعت الفتاة يدها على بطنها وتنهدت وقالت بعد صمت لحظات وكأنها تلقت سؤالاً من الكلبة: لا أطلب منكِ الفرح، بل أطلب منكِ أن تعلنِي للعالم كله أني أحمل فرحة, هيا دعي العالم كله يستمع لأنغام قلبي الحزين.
صمتت ثم عادت تحدث الكلبة: نعم، سوف أصبح أماً. نعم، أم بعد سنوات من الشقاء وتحمل الكلمات السامة من نساء الديوان والعاصمة. أنا لا أهتم، فأبوه مات وأمي ماتت من دون فرح، حتى كاهن المعبد مات من دون فرح. أتعلمين؟ لقد مات قبل أن يترك من يحمل من بعده العلم, لكن موته جعلني أدرك أني أعيش في هذا العالم المظلم وحدي. نعم، لقد خرجوا جميعاً من المعبد من دون أن يتعلموا أو يعلموا شيئاً هم هكذا دائماً في عاجلٍ من أمرهم, لا عليكِ هم لأنفسهم وأنتِ لنفسك وأنا آه آه مني أنا.



