سيطرة القوى والغرائز الإنسانية


نقصد بها مجموعة الغرائز والقوى الموجودة في باطن الإنسان التي إن لم يعرفها ولم يسعَ إلى تعديلها فإنها ستؤدّي به إلى هلاكه الحتمي، ووقوعه في المعاصي. فينبغي عليه أوّلاً معرفتها والسعي إلى تعديلها بمعنى إخراجها عن حدِّ الإفراط والتفريط؛ لأنّ عدم ذلك سيؤدّي إلى طغيانها وعدم استقرارها، وهو ما سيدفع بالإنسان إلى ارتكاب المعاصي. إنّ هذه القوى الباطنية المودعة في الإنسان قد تؤثّر سلباً أو إيجاباً في سلوكه وعلاقته بالله تعالى، فالله تعالى أوجد في الإنسان “قوّة العقل” وأعطاها جنوداً، وأوجد فيه “قوّة الجهل” أيضاً وأعطاها جنوداً. فالإنسان في حركته التصاعدية العقلية قد يصل إلى درجة أعلى من درجة الملائكة إذا ابتعد عن الذَّنب بإرادته واختياره وتحكيمه لعقله وسيطرته على غرائزه، وقد يصل في حركته التنازلية من خلال اتّباعه للشهوات إلى درجةٍ يصبح فيها كالأنعام، بل أضل سبيلاً، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، وما ذلك إلا لأنّه حكَّم هواه على عقله، واتَّبع غرائزه وشهواته النَّفسية. روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: “إنّ الله خصّ المَلَك بالعقل دون الشهوة والغضب. وخصّ الحيوانات بهما دونه، وشرّف الإنسان بإعطاء الجميع، فإن انقادت شهوته وغضبه لعقله صار أفضل من الملائكة؛ لوصوله إلى هذه المرتبة مع وجود المنازع، والملائكة ليس لهم مزاحم…”. وقد ذكر العلماء أنّ للنفس أربع قوى، هي: القوّة الشهوية، القوّة الغضبيّة، القوّة الوهميّة، القوة العاقلة.
أ. القوّة الشهويّة: وهي القوّة التي لا يصدر عنها إلا أفعال البهائم من عبوديّة الفرج والبطن والحرص على الجماع والأكل. وتوصف بالقوى البهيميّة؛ لوجودها الأصلي في البهائم، ومن خواصّها أنَّها تُنْزِل الإنسان إلى درجة الأنعام، إن لم يوجّهها ضمن الضوابط التي حدّدتها الشريعة. وهي من القوى العنيدة التي لا تهدأ بسرعة، وتقوم بعملين أساسين، هما: الأوّل: الأكل، وله فائدتان، هما: أ: حفظ البدن. ب: والمساعدة على الوصول إلى الكمالات المرتبطة بالنَّفس. الثاني: الجماع، ولهذا العمل فائدتان أيضاً، هما: حفظ النسل الإنساني واستمراره. وتحصيل الكمالات المرتبطة بالعفّة.
ب. القوة الغضبيّة: وهي القوّة التي تكون منشأً لصدور أفعال السباع من الغضب والبغضاء والتوثّب على النَّاس بأنواع الأذى. ولهذه القوة فائدة مهمّة وهي: الدِّفاع، حيث تعدّ القوّة الغضبيَّة منشأ حصول الحميّة والغيرة لدى الإنسان. فالشَّجاعة التي تدفع إلى جهاد العدوّ هي من القوى الغضبيّة، التي تترفَّع من جهةٍ عن الجبن والخوف المذموم، وعن الذلّة والدناءة والضِعة، ومن جهةٍ أخرى تتريّث عن التهوّر والتعجُّل، وعن الكلمة التي لا تمرّ بتحليل الفكر الناضج. فإذا اعتدلت القوة الغضبيّة واتّسمت بالعقل كانت شجاعةً، وكانت صفةً شريفةً، وطاقةً نافعةً . وتمتاز القوّة الغضبيّة بأنّها قوّةٌ تهدأ بسرعةٍ بخلاف القوَّة الشَّهويّة، ومع أنَّها تمتازُ بشدَّتها من ناحيةٍ، لكنها سرعان ما تهدأ من ناحية أخرى. ج. القوّة الوهميّة: وهي القوّة التي من شأنها استنباط وجوه المكر والحِيَل، والتوصّل إلى الأغراض بالتَّلبيس والخُدَعِ، فهي من أهمّ قوى الإنسان، بل إنّ قواه الأخرى تحت سلطان القوّة الوهميّة، ويمكن القول بأنها القوّة التي تحكم في غير المحسوسات بأحكام تناسبُ المحسوسات. ويضيف بعض العلماء قيد الشيطانية، أي القوّة الوهميّة الشيطانيّة، إشارةً إلى الأهواء النَّفسانيّة، وهي التي تحمل الإنسان على الجدال في الله وصفاته وأفعاله، وهي الباعثة للإنسان على منازعة النَّاس ومجاراتهم والمخاصمة معهم في كلِّ شيءٍ. فإن كانت هذه القوّة في خدمة القوّة الغضبيّة أصبح الإنسان جبّاراً في الأرض، وأمّا إذا كانت في خدمة القوّة الشهويّة فإنّها تهيّئ لها كلّ الوسائل والطرق التي توصلها إلى غرضها وهو تحصيل تلك الشهوة. وأما إن كانت هذه القوّة في خدمة القوّة العاقلة، فإنّها سوف تبحث لها عن طرق الوصول إلى القرب الإلهي، وسُبُل الرقي في درجات الكمال.
د. القوّة العاقلة: بما أنّ القوى الثلاث، الشهويّة والغضبيّة والوهميّة، لا تميّز مفسدةً من مصلحةٍ، ولا حلالاً من حرامٍ، ولا ما يُبعِدُ عن الله ولا ما يقرّب إليه، احتاج الإنسانُ إلى ما يركن إليه في تحديد مصيره، فأوجد الله فيه القوّة العاقلة، وأوكل إليها القيامَ بهذا الدَّور المهمّ والخطير في مسيرة الإنسان نحو الحق تعالى.



