اخر الأخبار

وجوب رعاية الأمانة

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، تبيّن هذه الآية أوصاف المؤمنين الحقيقيين وتبشّرهم بالفلاح والنجاة في الآخرة، وتحدّد أوصاف الإنسان الجميلة والفضائل الأخلاقية ومنها الأمانة والوفاء بالعهد. والملفت للنظر أنّ (الأمانات) الواردة في هذه الآية ذكرت بصورة الجمع وهي إشارة إلى أنّ الأمانة لها أنواع وأشكال مختلفة، والكثير من المفسّرين ذكروا أنّ مفهوم الأمانة في هذه الآية لا يقتصر على الأمانة المالية، بل يشمل الأمانات المعنوية، كالقرآن الكريم والدين الإلهي والعبادات والوظائف الشرعية، وكذلك النعم الإلهية المختلفة على الإنسان في حركة الحياة المادّية والمعنوية. ومن هنا، يتّضح أنّ المؤمن الواقعي والإنسان الذي يتمتّع باللّياقة الكاملة هو الذي يتحرّك في سلوكه من موقع مراعاة الأمانة بصورها المختلفة ويهتّم بالحفاظ عليها من موقع المسؤولية وأداء الوظيفة. أمّا عطف الوفاء بالعهد على حفظ الأمانة فيبيّن هذه الحقيقة، وهي أنّ هذين المفهومين يعودان إلى جذر واحد ويشتركان في الأصل، لأنّ نقض العهد يعتبر نوعاً من الخيانة في العهد والميثاق، ورعاية الأمانة نوع من الوفاء بالعهد والميثاق أيضاً. وتعبير (راعون) مأخوذ من مادّة (رعاية) وهي من مادّة (رعى) التي يُراد بها رعي الأغنام ومراقبتها في عملية سوقها إلى حيث الماء والكلأ في الصحراء، وهذا إنّما يدلّ على أنّ المقصود من هذه العبارة في الآية الكريمة هو أكثر من أداء الأمانة في مفهومها الظاهري، أي النظر والمحافظة والمراقبة للشيء من جميع الجوانب. وبديهي، أنّ الأمانة تارة تكون ذات بعد فردي وتسلّم بيد شخص معيّن (كالأمانات المالية التي يودعها الإنسان لدى الآخرين)، وتارة أخرى لها بعد جماعي مثل حفظ القرآن الكريم من التحريف والدفاع عن الإسلام والمحافظة على كيان الدول الإسلامية، فهي كلّها أمانات وضعت بيد المسلمين، وعليهم أن يتحرّكوا بصورة جماعية ويتكاتفوا فيما بينهم من أجل حفظ وصيانة هذه الأمانات الإلهية. ورد الحثّ على وجوب تأدية الأمانة بشكل صريح وواضح في آيتين: الأولى: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. تبيّن هذه الآية أمرين إلهيين: الأول: يتحدّث عن أداء الأمانة. والثاني: يتحدّث عن الحكم بالعدل. ومع أنّ مسألة الحكومة العادلة أو التحكيم الصحيح والسليم بين الناس له مكانة سامية في نظر القرآن الكريم، ولكن في الوقت نفسه ورد الأمر بأداء الأمانة قبله، وهذا يبيّن الأهمّيّة العظيمة للأمانة وأنّ لها مفهوماً عامّاً يستوعب في مضمونه التحكيم بين الناس من موقع العدل، وأنّه أحد مصاديق أداء الأمانة، لأنّ الأمانة بمفهومها العام تشمل جميع المقامات والمناصب الاجتماعية التي تعدّ أمانات إلهية، وكذلك أمانات بشرية من الناس بيد أصحاب المناصب هذه. والتأكيدات الواردة في ذيل الآية الشريفة تقرّر من جهة أنّ الأمر بالأمانة والعدالة ما هي إلاّ موعظة إلهية حسنة للناس، ومن جهة أخرى تحذّر الجميع بأنّ الله تعالى يراقب أعمالكم وسلوكيّاتكم، وهذا يعطي أهمّيّة مضاعفة على هذين المفهومين، وهما رعاية الأمانة والعدالة. وللأمانة موارد وفروع، هي: “الأمانة الإلهية، وأمانة الناس، وأمانة النفس، ومن جملتها أداء الواجبات وترك المحرّمات، فهي من موارد الأمانات الإلهية، وتقسّم إلى تقسيمات عديدة، منها أمانة اللسان، أمانة العين والأذن، (أي إنّ الإنسان يجب أن لا يتحرّك بالمعصية، والعين لا تنظر بنظر الخيانة، والأذن لا تسمع الكلام المحرّم). أمّا الأمانات البشرية فهي من قبيل الودائع التي يضعها بعض الناس لدى البعض الآخر وكذلك ترك التطفيف في الميزان وترك الغيبة ورعاية العدالة من جهة الحكّام والأمراء وعدم تحريك العوام من موقع التعصّب للباطل وأمثال ذلك…”. الثانية: قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ﴾. تتعرّض هذه الآية للأمانات والودائع المالية لدى الناس، وتتحدّث في سياقها عن لزوم تنظيم الوثائق والمستندات بالنسبة إلى هذه الودائع، أي يمكنه ذلك بدون كتابة السند أو أخذ الرهن، وفي هذه السورة، على الأمين حفظ الأمانة وردّها إلى صاحبها بالموقع المناسب، وعليه أن يخاف الله فيما لو تحدّثت له نفسه بالخيانة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى