كرسي بحجم الغبار


غسان عباس محسن
حين يسير النظام بطريقة خاطئة تقلب الموازين ويصبح الكريم في اسفل درجات التقدير، بينما يصعد اللئيم الى اعلى المراتب والدرجات. ذلك ما تعلمه عبد الله في اليوم الذي قرر ان ينجز فيه معاملة له، فدخل الدائرة الحكومية المعنية التي لم يزرها منذ اعوام طويلة وهو يرتدي بدلته القديمة واشياء كثيرة تتفتح في داخله، وكأنها زهور جميلة بأشواك رهيبة. وفيما كانت عيناه تتفحصان جدران المبنى ذات الرائحة المميزة ووجوه المراجعين المختلفة، توقع ان يسير كل شيء بيسر وسهولة كما كان عليه الحال في السابق. لكنه فوجئ بالعقبات الكثيرة التي اعترضت طريقه منذ اللحظة الاولى التي دخل فيها الى ذلك المكان، حيث دهش في اول الامر وهو يتطلع الى موظف الاستعلامات الشاب الذي انشغل عنه بالرد على اتصال من مسؤول مهم كان يطلب منه تسهيل معاملة شخص ما يقف بقربه، فتجاوزه قاطعاً بذلك احترامه له ومتجاوزاً الممر الذي يفترض ان يقوده الى غرفة المدير، وهو يتطلع الى الوجوه المختلفة والاحوال المتغيرة، فزفر نفساً من رئتيه المجهدتين تعبيرا عن استيائه ودهشته من كل ما حوله. اراد ان يهتدي الى الغرفة المطلوبة لكن احدا لم يدله على مكانها، فبدأ الجميع في نظره كالحيارى كما بدا له ان الكثير من الموظفين يرون انفسهم افضل مكانة وارفع مقاما من عامة الناس، فكاد عبد الله يفقد أعصابه وهو يتلفت بحثا عن اي وجه قد تدل ملامحه على السماحة والتواضع من بين أولئك البشر. ولما لم يرَ احدا بتلك الصفات تطاير شرر الغضب من عينيه، لكنه تمالك نفسه في اللحظة الاخيرة وذلك بعد ان دلته عاملة النظافة على مكان غرفة المدير. فحاول ان يعدل بدلته وان يمسح ظاهر حذائه الجلدي بقماش بنطاله الذي خلف ساقيه قبل ان يدخل الى الرجل المهم الذي يحتل كرسي المسؤولية وبعد طول انتظار وصبر سمح له بالدخول على المدير.
الكراسي احجام، فلا يمكن لإنسان ان يستقر على كرسي ما إلا اذا كان بحجمه، وحجم كرسي المسؤول في تلك الدائرة كان هو الخسة بعينها. هكذا ادرك عبد الله الامر عندما تطلع اليه حيث جلس على كرسيه الجديد الذي ما كان ليحلم بالوقوف قربه لولا زمن الفوضى. نظر اليه وقد تمدد بكرشه البائس على الكرسي فيما كانت ابتسامة قميئة ترتسم على شفتيه نظر المسؤول بإزعاج في عيني عبد الله الذي قضى سنوات طويلة في خدمة بلده، ثم اومأ له ان يمضي بعيداً عنه كونه مشغولا بحديث مهم مع اربعينية مترهلة كانت تناقشه في تأثيرات مسحوق التجميل الرخيص في بشرة الوجه المجعد.
في الممر الضيق الذي يفضي به الى غرفة المسؤول الثاني حيث امر بالذهاب اليه سمع اصواتاً من بعض الغرف، فقد كان بعض الموظفين ممن كان معظمهم في مثل سن ابنائه يتجادلون حول مباراة كرة القدم التي دارت احداثها في الليلة الماضية، فيما كانت الاصوات القادمة من الغرفة الاخرى هي لنسوةٍ يتحدثن عن كيفية اعداد وجبة طعام جديدة. فمضى الى غايته وقد ازداد غضبه وتعبت أعصابه حتى وصل الى الغرفة المعنية، وسأل عن الرجل المطلوب، فاكتشف بإن اجتماعا مع رجل مهم قد غيبه عن عمله فشعر بخيبة امل كبيرة تجسدت بنظرة ذات معنى رمى بها الموظف الذي اخبره بذلك الخبر!حملت قدما عبد الله صاحبهما إلى طريق الخروج بعدما أعياه التعب ورفض ان يستمر في لعبه الانجرار إلى مسؤول آخر ذلك ان طاقته قد ضعفت وهيمن الإحباط على نفسه لكنه أذعن اخيراً لنصيحة المنظفة التي رثت لحاله فدلته على غرفة مسؤول اخر بعدما أكدت له طيبة قلبه ورغبته في مساعدة كل المراجعين بشكل شفاف، فضلا على نزاهته، كما حدثته وفيما كانا يقطعان الممر الذي يفضي الى غرفة ذلك المسؤول عن سنوات خدمته الطويلة، مؤكدة له انه سيساعده من دون شك، فعلق عبد الله آماله على هذه المقابلة كما انه رتب في رأسه الكثير من الشكاوى عن واقع العمل في الدائرة، وما عاناه من صعوبات جمة حتى وصوله إليه. وبعد أن فتح الباب فوجئ بالهدوء يخيم على تلك الغرفة ونظر الى الكرسي فإذا به يراه فارغاً ولا يتسع حجمه الا للغبار!



