تراجع استيراد السلع والمحاصيل الزراعية فرصة لإنعاش الإنتاج المحلي

بعد تقليل الاعتماد على الخارج
المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة وما رافقها من إغلاق مضيق هرمز نتيجة العدوان الأمريكي الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام موجة اضطرابات حادة انعكست بشكل مباشر على حركة التجارة الدولية، وكان العراق من أكثر الدول تأثراً بحكم طبيعته الاقتصادية الريعية واعتماده شبه الكلي على العائدات النفطية التي تمثل نحو 90 بالمئة من تمويل خزينة الدولة، غير أن هذه الأزمة، رغم تداعياتها السلبية، بدأت تكشف عن جانب آخر قد يحمل في طياته، فرصة إيجابية لإعادة ترتيب أولويات الاقتصاد الوطني.
وأدى تعطّل الملاحة البحرية إلى تراجع ملحوظ في استيراد عدد من السلع الأساسية، وفي مقدمتها اللحوم المستوردة، حيث سجلت واردات العراق من لحوم الدواجن البرازيلية انخفاضاً كبيراً، إذ تراجعت من 49.9 ألف طن إلى 34.5 ألف طن، بنسبة انخفاض بلغت أكثر من 30 بالمئة، ما يعكس حجم التأثير المباشر للأزمة على الأسواق المحلية، ولم يقتصر الأمر على اللحوم، بل امتد إلى الأرز التايلندي، حيث يعد العراق من أبرز مستورديه عالمياً، إذ كان يستورد أكثر من مليون طن سنوياً، أي ما يعادل نحو 17 بالمئة من صادرات تايلاند، إلا أن هذه الإمدادات شهدت تباطؤاً واضحاً، ما دفع الحكومة التايلندية إلى البحث عن أسواق بديلة لتعويض هذا التراجع.
هذا الانخفاض في حجم الاستيرادات، ورغم ما قد يسببه من ضغط على السوق المحلية، إلا أنه يمثل في الوقت نفسه فرصة حقيقية لإحياء القطاعات الإنتاجية داخل العراق، خصوصاً القطاع الزراعي الذي عانى طويلاً من الإهمال والمنافسة غير المتكافئة مع المنتجات المستوردة، إذ بات من الضروري التوجه نحو دعم مشاريع الدواجن وتطوير بنيتها التحتية، بما يضمن تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الخارج.
كما تبرز أهمية إعادة الاعتبار للمحاصيل الاستراتيجية مثل الحنطة والشعير، عبر توفير الدعم اللازم للفلاحين وتشجيعهم على التوسع في زراعتها، إلى جانب تحفيز زراعة الخضراوات المحلية التي يمكن أن تسد جزءاً كبيراً من حاجة السوق.
ويؤكد مختصون في الشأن الاقتصادي، أن العراق يمتلك مقومات حقيقية لتحقيق نهضة زراعية، خاصة في ظل الوفرة المائية التي شهدها مؤخراً نتيجة الأمطار والسيول، والتي يمكن استثمارها في استصلاح الأراضي المتضررة من الجفاف وإعادتها إلى دائرة الإنتاج، مبينين، ان المعالجة لا تقتصر على الجانب الزراعي فحسب، بل تمتد إلى ضرورة تطوير القطاع الصناعي من خلال إنشاء معامل حديثة للتعليب والتخزين، وبناء مخازن كبيرة وحديثة تضمن الحفاظ على المنتجات لفترات طويلة وتقليل الهدر.
ومن جانب آخر، شدد النائب قصي عباس الشبكي في حديث لـ”المراقب العراقي”، على أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع الملف الاقتصادي بصدارة أولويات البرنامج الحكومي، في ظل التحديات التي يواجهها العراق حالياً، ولا سيما تراجع الإيرادات النفطية نتيجة إغلاق مضيق هرمز وما رافقه من تداعيات مالية واضحة”.
وأوضح، أن “الحكومة المقبلة مطالبة بالتركيز على توفير السيولة النقدية اللازمة لدعم الموازنة العامة، بما يضمن الاستقرار المالي للدولة، مؤكداً في الوقت نفسه، أهمية الإسراع في تسديد مستحقات الفلاحين بهدف تحفيزهم على زيادة الإنتاج الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي”.
وأضاف الشبكي، أن “دعم القطاعين الصناعي والزراعي لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة ملحة لتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للدخل، لافتاً إلى أن تنشيط هذين القطاعين سيسهم في تعزيز السلة الغذائية، وخلق فرص عمل جديدة، وامتصاص نسب البطالة، فضلاً عن رفع مستوى الإنتاج المحلي”.
وأشار الى أن “تطوير الإنتاج الوطني سيمهد الطريق أمام المنتجات العراقية للمنافسة في أسواق المنطقة، ما يعزز من حضور العراق الاقتصادي ويمنحه فرصة حقيقية لتحقيق تنمية مستدامة قائمة على تنويع مصادر الدخل”.
ويمكن لهذه التحديات التي فرضتها الأزمة الحالية ان تكون قاسية على المدى القصير، لكنها في المقابل تفتح الباب أمام تحولات اقتصادية كبيرة إذا ما أُحسن استثمارها، ليكون العراق أمام فرصة تأريخية لإعادة بناء اقتصاده على أسس أكثر تنوعاً واستدامة.



