رواية (قطاع 49) والقفز على المكانية الجغرافية


عبد الكريم ابراهيم
للمشهد الأدبي في الساحة العراقية حضور بارز؛ لأنه استطاع أن يسجل بعض الجزئيات التي عاشها البلد بعد عام 2003. ولعل لفن الرواية حصة كبيرة حيث تناول الروائيون العراقيون مشكلات بلدهم بشيء من تفاصيل، وما ولد جيلاً مميزاً، ساهم في ايجاد جيل يملك مقومات أدبية مشتركة رغم التفاوت العمري والتجربة الأبداعية بين الكتّاب. تعد مرحلة ما بعد 2003 حُبلى بالأحداث الجسام لدرجة جعلت الجميع ينصهر في بودقة واحدة؛ لها سمات وخصوصات تختلف عن بقية المراحل الحياة العراقية. ولعل ابرز سمات هذه المرحلة انصهار الأجيال الأدبية في حالة واحدة برغم تفاوت الانتاج الادبي. قد يكون للوضع العام الملتهب دور كبير في دفع أدباء العراق ومثقفهِ في التعبير عمّا يدور من أحداث بشكل يوازي الواقعية مع شيء من سمة الخيال التي يجب أن تتصف بها الاعمال الادبية. واهم تلك المشتركات هو الارهاب الذي حصد ويحصد ارواح الاحبة في كل مكان دون تمييز بين جنسهم البشري وقوميتهم ومذهبهم. هذه الاحداث قربت المسافة المكانية ووحدت الرؤية؛ فأخذ ابن الجنوب يرى بعيون ابن الشمال؛ وهكذا من ذوبان المناطقية التي كانت عنصراً من عناصر التميز على اشكاله. وتأتي رواية الكاتبة آلاء العبيدي (قطاع 49) الصادرة عن دار الجواهري ببغداد لسنة 2016؛ لتأكد هذه الحقيقة حيث يستطيع العراقي في اي مكان ان يعبر عمّا يدور في مخيلة اخيه دون أن تكون لهم صلات مكانية. عنوان الرواية (قطاع 49) اشارة الى احدى قطاعات مدينة الصدر (الثورة)، ولكن عندما تعيش الرواية تجدها امتداداً لحالة عامة عاشها كل بيت عراقي على هذه الارض، وشعر بعمق المأساة، ويد الارهاب التي تريد النيل من بلدٍ له عمق تاريخي طويل. الآلآم، الدموع، جثث الشهداء المتفحمة، الاحلام المؤجلة، الهويات المحترقة، عويل الاحبة على الراحلين في نعوش الى الحياة الابدية هي من توحد الرواية مع بقية المشتركات العراقية. اذاً استطاعت فتاة تنتمي الى مدينة أخرى أن تستلهم احدى قطاعات مدينة الصدر من حيث صورته رمزية المكان، ولا نجد في الرواية اشارة إلى العنوان (قطاع49) سوى في “قطاع 49.. وما يلهبني أنني أحب ذلك القطاع واكرهه، ففيه الذكرى الحزينة والذكرى المؤلمة.. ولكن ما أن أقترب منه حتى أتذكر ماضي أخوي” ص 80، وثمة أشارة اخرى للتسمية:
“ـ اهااا إنه قريب من مدينة الصدر.
ـ صحيح.
ـ كم يبعد عن قطاع 49؟
ـ ليس كثيراً، لِمَ هذا السؤال؟
ص113 وص114”.
اذاً العنوان رمز عراقي لا يحمل الدلائل المكانية بقدر ما هو استلهام روح المكان للولوج الى مجال أكبر وأوسع جغرافياً. وهناك أيضا رغبة لتأسيس رواية عابرة للمناطقية برغم بساطة الحوار والسردية المباشرة، وقد تكون للتجربة الادبية أثرها في هذا الموضوع كونها الرواية البكر للعبيدي؛ ما جعلها توصل الاحداث بطريقة أدبية فيها نوع من المماطلة، ولعل وراء هذا العنصر، ان الراوية تحتاج الى نفس طويل ودقة في التفاصيل والتركيز على الحوار، والوصف المشوق.
وتعد راوية (قطاع 49) من نوع الروايات الدائرية حيث بدأت بمأساة “الفاجعة الاولى وليد” ص9، وتنتهي بـ”الألم لا يعفي احداً من عذابه” ص 236، وحتى تمهيد الرواية لم يخرج عن روح المأساة “كالشمس هم.. كلما انظر اليهم تدمع عيناي” ص7. ولعل اختيار اسم البطلة “دموع” هو الآخر علامة من علامات البكائية التي تؤطر اجواء الرواية “لا يمزق الارهاب الاجساد فقط.. بل يمزق أواصر الاسرة، يمزق الحب، يثكلنا بكل ما هو جميل”.
ربما اغتربت العبيدي عراقياً واقتربت عربياً من خلال تأريخ نهاية روايتها بشهر “يوليو” المؤلم، وكان الافضل أن تشير الى “تموز” اله وحرارة الصيف، والفرح والحزن كما يعرفه العراقيون.



