فضل التوكل على الله


إن التوكل على الله تعالى من الأمور الأخلاقية الرئيسة، حتى عُدّ التوكل على الله من أركان الإيمان بالله تعالى حيث ورد في الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام : الإيمان على أربعة أركان: التوكل على الله، والتفويض إلى الله، والتسليم لأمر الله، والرضا بقضاء الله. وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالتوكل عليه في الكثير من الآيات يقول سبحانه وتعالى: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ). ويقول في آية أخرى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) إن تحديد أي معنى لأي مفردة مستقاة من الكتاب والسُنّة المطهرة والمأثورة عن نبينا الأكرم وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين، لا بد أن نعرفها من خلال ما ورد إلينا من سنتهم المباركة لأنهم هم القيّمون على شرح معالم الرسالة والموضحون لتفاصيل الديانة، ولذلك نرى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لما سألوه عن التوكل أجابهم شارحاً معناه: العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق، فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحد سوى الله، ولم يرجُ ولم يخَفْ سوى الله، ولم يطمع في أحد سوى الله، فهذا هو التوكل. وعن أمير المؤمنين عليه السلام : حسبك من توكلك أن لا ترى لرزقك مجرياً إلا الله سبحانه. ومن هنا نعلم الترابط الكبير بين التوكل وجلّ الصفات الأخلاقية العامة لأن الإنسان الذي يجعل الله في كل أموره مقصدا وعلى كل أفعاله مراقبا فقد أحرز جلّ المعاني الأخلاقية السامية التي هي هدف البعثة الكريمة لأكرم نبي صلّى الله عليه وآله وسلم ، حيث ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام : ليس شيء إلا وله حدّ قلت: جُعِلْتُ فداك فما حد التوكل؟ قال: اليقين، قلت: فما حد اليقين؟ قال: ألّا تخافَ مع الله شيئا. يقول الإمام الخميني قدس سره ما مضمونه مختصراً: إن بعض الناس يكون توحيدهم ناقصاً، حيث حجبت عنهم ربوبية الحق لعلل وأسباب ظاهرة، لهذا فإنهم في الأمور الدنيوية لا يعتمدون على الله تعالى بأي شكل من الأشكال ولا يتشبّثون إلا بالأسباب الظاهرية، وإذا ما اتفق أحيانا أن توجهوا إلى الله تعالى وطلبوا منه حاجة أو رجوا منه رجاءاً فذلك من باب التقليد أو من باب الاحتياط لأنهم لا يرون في ذلك ضرراً عليهم بل ربما يحتملون فيه فائدة، وفي هذه الحال توجد رائحة التوكل لديهم، ولكنهم إذا رأوا الأسباب الظاهرة ملائمة ومطابقة لأهوائهم غفلوا كلياً عن الله تعالى وعن تصريفه للأمور أولا وآخراً وأن الناس مجرد أسباب ظاهرة فقط. وثمة فريق ثانٍ من الناس اقتنعوا إما بالبرهان وإما من خلال الأحاديث الشريفة والآيات الكريمة بأن الله تعالى هو مقدر الأمور ومسبّب الأسباب وهو المؤثر في الوجود، بل يقيمون الدليل على لزوم التوكل عليه جلّ وعلا، فهؤلاء وإن كانوا من المتوكلين نظرياً، إلا أنهم لم يبلغوا مرتبة الإيمان فهم لهذا مضطربون في إتخاذ قرار من قراراتهم وعقولهم مشغولة بالصراع مع قلوبهم لأن قلوبهم ما زالت متعلقة بالأسباب الظاهرة المادية. وأما الطائفة الثالثة: فهم الذين توصلوا بقلوبهم إلى معرفة تصرف الله سبحانه وتعالى في الكائنات فكتبوا بقلم العقل على لوح القلب بأن مقدّر الأمور والسلطان ومالك الأشياء هو الله سبحانه وتعالى وحده فقط، وهؤلاء هم أصحاب التوكل الحقيقي، وهؤلاء ينطبق عليهم قول العارف: إن التوكل طَرْحُ البدن في العبودية وتعلقُ القلبِ بالربوبية.



