قمة شينتشن.. هل تولد يالطا جديدة في جنوب الصين؟

بقلم: شاهر الشاهر..
في شباط 1945 اجتمع فرانكلين روزفلت وجوزيف ستالين ووينستون تشرشل في مدينة يالطا، بينما كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها. كان العالم القديم ينهار، وكانت القوى المنتصرة تستعد لرسم ملامح عالم جديد، وتحديد مناطق النفوذ، وترتيب العلاقات بين القوى الكبرى.
بعد أكثر من ثمانية عقود، تتجه الأنظار إلى مدينة شينتشن في جنوب الصين، حيث تستعد بيجين لاستضافة قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (APEC)، في اجتماع قد يكون أحد أكثر اللقاءات السياسية أهمية خلال عام 2026، خصوصاً مع احتمال اجتماع شي جين بينغ ودونالد ترامب وفلاديمير بوتين في مكان واحد.
المقارنة مع يالطا تبدو مغرية، وربما مبكرة أيضاً. ففي يالطا كان العالم يخرج من حرب كبرى، وكانت خرائط أوروبا وآسيا تُرسم وفق موازين القوة العسكرية. أما في شينتشن، فإن العالم يعيش مرحلة تتراجع فيها الثقة بقواعد النظام الدولي، وتتداخل فيها الحروب العسكرية مع الحروب التجارية والتكنولوجية والمالية.
ومع ذلك، ثمة قاسم مشترك بين اللحظتين: القوى الكبرى تدرك أن استمرار التنافس من دون قواعد قد يقود إلى نتائج لا يستطيع أي طرف التحكم فيها.
ما يمنح قمة شينتشن أهمية استثنائية هو احتمال انتقالها من اجتماع اقتصادي إقليمي إلى مساحة للحوار السياسي بين ثلاثة من أكثر القادة تأثيراً في النظام الدولي. وإذا تحقق اللقاء الثلاثي بين شي وترامب وبوتين، فإننا سنكون أمام مشهد يتجاوز بكثير جدول أعمال منتدى اقتصادي، حتى لو لم ينتج عنه اتفاق تاريخي أو تفاهم معلن بشأن مناطق النفوذ.
من منتدى اقتصادي إلى ملتقى للقوى الكبرى
تأسس منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ عام 1989، بمبادرة أسترالية، في مرحلة كانت فيها العولمة الاقتصادية تتوسع، وكانت دول المحيط الهادئ تبحث عن إطار يجمع مصالحها التجارية والاستثمارية.
بدأ المنتدى بعضوية اثني عشر اقتصاداً، ثم توسع تدريجياً ليضم 21 اقتصاداً، بعد انضمام الصين وهونغ كونغ وتايوان عام 1991، ثم اقتصادات أخرى خلال التسعينيات، وصولاً إلى عضويته الحالية عام 1998.
يضم المنتدى اليوم الصين والولايات المتحدة وروسيا واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وكندا والمكسيك وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند وفيتنام والفيليبين ونيوزيلندا وتشيلي وبيرو وبروناي وبابوا غينيا الجديدة، إلى جانب هونغ كونغ وتايوان ضمن الصيغة الخاصة للعضوية.
تكمن أهمية هذه المجموعة في حجمها الاقتصادي والديمغرافي. فوفق بيانات المنتدى لعام 2024، تمثل الاقتصادات الأعضاء نحو 37% من سكان العالم، أي قرابة ثلاثة مليارات نسمة، وتستحوذ على نحو 61% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، و46% من التجارة العالمية في السلع والخدمات التجارية.
نحن إذاً أمام كتلة اقتصادية ضخمة تضم أكبر اقتصادين في العالم، الصين والولايات المتحدة، إلى جانب قوى صناعية وتجارية وطاقوية أساسية.
الهدف من المنتدى كان تعزيز التجارة والاستثمار وتسهيل حركة السلع والخدمات ورؤوس الأموال، وتطورت أعماله لتشمل الاقتصاد الرقمي والابتكار والطاقة والتنمية المستدامة. لكنه يختلف عن المنظمات الدولية التقليدية؛ فقراراته تقوم على التوافق والتعاون الطوعي، ولا يفرض على أعضائه التزامات تعاهدية ملزمة.
هذه المرونة هي أحد أسباب استمراره، لأنها تسمح باجتماع اقتصادات تختلف أنظمتها السياسية ومصالحها الاستراتيجية تحت سقف واحد.
وفي عام 1993، بدأ تقليد عقد اجتماعات سنوية لقادة الاقتصادات الأعضاء، ما منح المنتدى بُعداً سياسياً أوسع. ومنذ ذلك الوقت أصبحت قممه مناسبة للقاءات الثنائية، وتبادل الرسائل السياسية، ومناقشة القضايا التي تتجاوز التجارة إلى الأمن والعلاقات الدولية.
أما قمة شينتشن فهي الاجتماع الثالث والثلاثون لقادة المنتدى، والثالث الذي تستضيفه الصين بعد شنغهاي عام 2001 وبيجين عام 2014. ومن المقرر عقدها يومي الـ 18 والـ19 من تشرين الثاني/نوفمبر 2026، فيما تسبقها قمة الرؤساء التنفيذيين يومي الـ17 والـ18 من الشهر نفسه، بمشاركة متوقعة تقارب ألف شخصية من القيادات السياسية والاقتصادية ورجال الأعمال. وخلال عام استضافتها للمنتدى، تنظّم الصين نحو 300 اجتماع وفعالية في مدن مختلفة.
لماذا شينتشن تحديداً؟
اختيار شينتشن يحمل دلالة تتجاوز الاعتبارات التنظيمية. فالمدينة التي كانت في نهاية السبعينيات منطقة حدودية صغيرة، أصبحت اليوم واحدة من أهم المراكز الصناعية والتكنولوجية والمالية في الصين.
وفي عام 1980 تحولت إلى منطقة اقتصادية خاصة، ضمن سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها دنغ شياو بينغ، لتصبح لاحقاً مختبراً واسعاً للتحول الاقتصادي الصيني.
تكشف الأرقام حجم هذا التحول. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي للمدينة من نحو 270 مليون يوان عام 1980 إلى أكثر من 3.68 تريليونات يوان عام 2024. وبلغ حجم تجارتها الخارجية في العام نفسه نحو 4.5 تريليونات يوان، فيما أصبحت مركزاً لشركات تكنولوجية وصناعية عالمية، مثل هواوي وتنسنت ودي جي آي وبي واي دي.
لهذا تريد الصين أن تستضيف قادة العالم في مدينة تمثل جانباً مهماً من تجربتها التنموية. شينتشن ليست مجرد واجهة عمرانية حديثة؛ إنها تعبير عن انتقال الاقتصاد الصيني من الاعتماد على التصنيع منخفض التكلفة إلى الصناعات المتقدمة والابتكار والاقتصاد الرقمي.
كما أن موقعها ضمن منطقة الخليج الكبرى، التي تربط مقاطعة قوانغدونغ بهونغ كونغ وماكاو، يمنح القمة بعداً اقتصادياً إضافياً. فهذه المنطقة تمثل أحد أكبر التجمعات الصناعية والتجارية والتكنولوجية في الصين، وتقدم نموذجاً للتكامل بين المراكز الصناعية والمالية والتجارية.
تريد بيجين من خلال اختيار شينتشن أن تقدم رسالة واضحة: إن الصين التي تدعو إلى الانفتاح الاقتصادي والتعاون الإقليمي تمتلك تجربة عملية يمكن عرضها أمام العالم. وفي وقت تتزايد فيه القيود التجارية والحمائية، يصبح اختيار هذه المدينة جزءاً من الخطاب السياسي الصيني حول مستقبل العولمة.
شي وترامب وبوتين.. ثلاثة قادة واحتمال لقاء يتجاوز APEC
تكتسب القمة أهمية إضافية من احتمالات اللقاءات الثنائية والثلاثية على هامشها. فقد أعلن البيت الأبيض، في بيان يتعلق بالعلاقات الأميركية الصينية، أن الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب اتفقا على أن يشارك كل منهما في القمم التي يستضيفها الآخر، بما يعكس رغبتهما في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة رغم استمرار الخلافات بين البلدين.
أما التطور الأكثر إثارة للاهتمام فجاء من موسكو، فقد تحدّث يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي للشؤون الخارجية، عن احتمال عقد لقاء ثلاثي يجمع بوتين وشي وترامب خلال قمة شينتشن. كما أكدت وزارة الخارجية الصينية ترحيبها بمشاركة الرئيس الروسي في اجتماع قادة APEC، الأمر الذي يجعل حضوره جزءاً مهماً من الحسابات السياسية المحيطة بالقمة.
إذا تحقق هذا اللقاء، فستكون دلالته كبيرة، فالصين والولايات المتحدة وروسيا هي ثلاث قوى نووية كبرى، وتملك مجتمعة تأثيراً واسعاً في الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتوازنات العسكرية والمؤسسات الدولية. كما أن علاقاتها تتقاطع في ملفات شديدة الحساسية، من أوكرانيا وتايوان إلى الشرق الأوسط وكوريا الشمالية ومستقبل الحد من التسلح النووي.
بالنسبة إلى بوتين، تحمل المشاركة في قمة شينتشن معنى يتجاوز الحضور البروتوكولي. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، واجهت موسكو عزلة وعقوبات غربية واسعة، لكنها عملت في الوقت نفسه على توسيع علاقاتها الآسيوية، وتعميق شراكتها مع الصين، وتطوير علاقاتها مع الهند ودول الخليج وجنوب شرق آسيا.
إن عودة بوتين إلى منصة آسيوية تجمع قادة الاقتصادات الكبرى تمنحه فرصة لإظهار أن روسيا لا تزال طرفاً حاضراً في التفاعلات الدولية، وأن العقوبات الغربية لم تنجح في إخراجها من شبكة العلاقات الاقتصادية والسياسية العالمية. كما أن مشاركته تتيح له التواصل المباشر مع ترامب وشي في لحظة تتداخل فيها الملفات الأوكرانية والنووية والتجارية.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى شينتشن باعتبارها فرصة لموسكو للعودة إلى الدبلوماسية الدولية من البوابة الآسيوية، مستفيدة من ثقل الصين الاقتصادي والسياسي ومن حاجة واشنطن إلى إدارة علاقاتها مع القوتين معاً.
بوتين ليس وحده من يبحث عن مكاسب سياسية، فترامب يدخل هذه المرحلة وهو شديد الاهتمام بتسجيل إنجازات دبلوماسية يمكن أن تعزز صورته الدولية. وقد كرر الرئيس الأميركي علناً أنه يستحق جائزة نوبل للسلام، مشيراً إلى ما يصفه بدوره في تسوية نزاعات دولية متعددة.
وهنا يبرز الملف النووي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، فمع انتهاء العمل بمعاهدة “نيو ستارت” للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وروسيا في شباط 2026، عادت مسألة بناء إطار جديد للحد من التسلح إلى الواجهة. وتدفع إدارة ترامب باتجاه مفاوضات أوسع تشمل الصين وروسيا، في محاولة للانتقال من الاتفاقات الثنائية التقليدية إلى صيغة تأخذ في الاعتبار التوازن النووي الجديد.
هذا الملف قد يمنح ترامب فرصة سياسية كبيرة إذا استطاع تحقيق تقدم ملموس، فالاتفاق على قواعد جديدة للحد من المخاطر النووية بين القوى الثلاث سيكون إنجازاً دولياً مهماً، وقد يقدمه بوصفه خطوة نحو السلام والاستقرار.
لكن الطريق إلى ذلك ليس سهلاً؛ فالصين لا تنظر إلى التفاوض النووي بالطريقة نفسها التي تنظر بها واشنطن وموسكو، وترى أن اختلاف حجم الترسانات النووية ومراحل تطورها يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي مفاوضات.
من هنا، فإن شينتشن قد تتيح لترامب مساحة لإظهار قدرته على جمع الخصوم حول طاولة واحدة، لكنها لن تضمن له الحصول على اتفاق نووي، فضلاً عن جائزة نوبل. فالتفاوض على الأمن الاستراتيجي يحتاج إلى ثقة متبادلة، وإلى ضمانات قابلة للتحقق، وإلى معالجة المخاوف الأمنية لكل طرف.
هل تولد يالطا جديدة في جنوب الصين؟
في يالطا عام 1945، كانت موازين القوة العسكرية هي التي تحدد طبيعة التفاهمات. اجتمع المنتصرون في الحرب، وناقشوا مستقبل ألمانيا وأوروبا الشرقية والشرق الأقصى، واتفقوا على ترتيبات تتعلق بدخول الاتحاد السوفياتي الحرب ضد اليابان، وعلى أسس مهمة في تشكيل الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
أما في شينتشن، فالصورة مختلفة، لا توجد حرب عالمية انتهت بانتصار طرف وهزيمة آخر، ولا توجد قوة واحدة قادرة على فرض ترتيباتها على بقية القوى.
الصين قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى، والولايات المتحدة ما زالت تمتلك نفوذاً عسكرياً ومالياً واسعاً، وروسيا تحتفظ بقدرات نووية وعسكرية تجعلها طرفاً أساسياً في أي ترتيبات للأمن الدولي.
لكن ثمة ما يجعل المقارنة مع يالطا مفيدة، فالعالم يواجه أزمة في قواعده السياسية والاقتصادية (الحرب في أوكرانيا مستمرة، والشرق الأوسط يعيش اضطرابات عميقة، والتنافس الأميركي الصيني يتسع من التجارة إلى التكنولوجيا والأمن، فيما تتزايد محاولات الدول الكبرى لإعادة بناء مناطق نفوذها وشبكات تحالفاتها).
في مثل هذه الظروف، تصبح اللقاءات المباشرة بين القادة ذات أهمية تتجاوز البيانات الختامية. فقد لا يكون المطلوب توقيع اتفاق شامل، وإنما اختبار إمكان التوصل إلى تفاهمات تمنع انزلاق التنافس إلى مواجهة مفتوحة. وربما يكون الاتفاق على إدارة الخلافات، أو فتح قنوات تفاوض بشأن أوكرانيا والحد من التسلح، بداية لمسار سياسي جديد.
ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في توقعات القمة. فمنتدى APEC ليس مؤتمراً لإعادة تقسيم العالم، ولا يملك صلاحية التفاوض باسم جميع أعضائه على ترتيبات أمنية شاملة. كما أن أي تفاهم بين واشنطن وبكين وموسكو لن يكون بالضرورة مقبولاً لدى القوى الأخرى، ولا سيما الدول التي قد تجد نفسها موضوعاً للتفاوض من دون أن تكون طرفاً فيه، مثل أوكرانيا وبعض دول شرق آسيا.
لقد تغيّر العالم منذ يالطا، فالقوة اليوم لا تُقاس بالسلاح وحده، بل بالقدرة على التحكم في التكنولوجيا وسلاسل الإمداد والطاقة والبيانات والأسواق المالية. ومن يمتلك هذه الأدوات يستطيع التأثير في خيارات الآخرين حتى من دون استخدام القوة العسكرية.
قد تكون شينتشن محطة لاختبار شكل جديد من التفاهم بين القوى الكبرى، لا نسخة ثانية من يالطا. وإذا اجتمع شي وترامب وبوتين، فإن السؤال الأهم سيكون ما إذا كانوا قادرين على الانتقال من تبادل الرسائل السياسية إلى وضع قواعد لإدارة التنافس، خصوصاً في الملفات النووية والتجارية والأمنية.
لا تحتاج القوى الكبرى بالضرورة إلى إعادة رسم خرائط العالم حتى تتوصل إلى تفاهمات بشأنه. وقد يكون التحدي الحقيقي أمام قادة شينتشن هو الاعتراف بأن استمرار المنافسة من دون ضوابط يرفع كلفة الصراع على الجميع.
ربما لن تولد يالطا جديدة في جنوب الصين، لكن شينتشن قد تكشف ما إذا كان العالم لا يزال يمتلك فرصة لصناعة تفاهم دولي قبل أن تفرض عليه الأزمات تسويات أكثر قسوة.



