اراء

الحرب على إيران أسقطت معسكر ترامب – نتنياهو فهل تتخلّى السلطة عن تبعيتها للخارج؟

بقلم: محمد الحسيني..


أفضت نتائج الانتخابات الأميركية و”الإسرائيلية” إلى سقوط معسكر الحرب الشاملة الذي اعتمده حلف واشنطن – “تل أبيب” في عهدي دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، ما يجعل خريطة التوازنات الإقليمية والدولية تخضع لاختبارات ميدانية وسياسية قاسية، فضلًا عما يمكن أن تسفر عنه من تحوّلات حاسمة في بنية القرار داخل الكيان المؤقت والولايات المتحدة.
وعلى الرغم من القراءات التي تتعامل مع هذه الاستحقاقات المصيرية لمستقبل الرجلين وفق تعبير الكثير من الخبراء والمراقبين، كمجرد تبديلات عابرة في الوجوه الحاكمة إلا أن الوقائع والبيانات الميدانية تظهر أن السقوط المدوي للطبقة السياسية والعسكرية في “إسرائيل” وانقلاب المزاج الشعبي ضد الإدارة الأميركية الحالية جاء نتيجة مباشرة لفشل ذريع ومثبت في خيار الحرب المفتوحة والمغامرات العسكرية غير المحسوبة.
هذه المغامرات، لا سيما تلك المرتبطة بمحاولة كسر إيران ومحور المقاومة وإعادة رسم ما يسمّى “الشرق الأوسط” بالقوة، أدت إلى استنزاف هائل في البنى الأمنية والاقتصادية والعسكرية للكيان الصهيوني أولًا، وأفقدت مجتمعه الاستيطاني الشعور بالأمن والاستقرار، ما دفع الناخب “الإسرائيلي” إلى معاقبة تيار الحرب عبر صناديق الاقتراع.
هذا السقوط المدوّي في “تل أبيب”، توازى بل تكامل مع مزاج سياسي داخلي أميركي وغربي متنامٍ يعترف باستحالة حسم الصراعات الكبرى لصالح أجندات الهيمنة المطلقة، فقد أدركت الإدارات الغربية أن سياسة حافة الهاوية وشن الحروب الإقليمية الشاملة لم تعد تحقق أهدافها الاستراتيجية، بل باتت تشكل عبئًا اقتصاديًا وماليًا هائلًا، وتهدد المصالح الحيوية الغربية في أكثر من منطقة في العالم، وقد توّج هذا المخاض بإجماع عربي وإقليمي واسع وحاسم يرفض بشكل قاطع أي تجدد أو توسيع لرقعة الحرب على إيران.
هذا الموقف الخليجي والعربي الجامع لم ينبع من فراغ، بل جاء إدراكًا لحتمية تداعيات الحرب الكارثية على أمن الإقليم، وطاقاته الاقتصادية، ومشاريع التنمية الكبرى التي تسعى دول المنطقة لتنفيذها، وبات معلومًا لدى الجميع أن أي مواجهة كبرى ستدفع ثمنها البنية التحتية والاستقرار الإقليمي برمته، ما يجعل خيار التهدئة ورفض المغامرات العسكرية “الإسرائيلية”-الأميركية هو العنوان الحاكم والمهيمن على الدبلوماسية الإقليمية.
في المقابل، تبدو المفارقة السياسية صارخة وموغلة في العبثية عندما نراقب سلوك السلطة اللبنانية الرسمية، التي تبدو وكأنها تعيش قطيعة تامة مع هذه الوقائع الجيوسياسية الصلبة؛ فبينما يترسخ الإقليم برمته حول حتمية تجنب الحروب الكبرى وإدراك حدود القوة “الإسرائيلية”، تصرّ هذه السلطة على الاندفاع الأعمى نحو مسارات التفاوض الاستسلامية، وترجمت ذلك عبر الهرولة لتوقيع “اتفاق الإطار” وما شابهه من صيغ أمنية وسياسية تمليها الشروط الأميركية و”الإسرائيلية” المذلة.
إن هذا السلوك، إذا ما تواصل عمليًا، فهو لا يعبّر فقط عن قصور استراتيجي حاد، بل يكشف عن عجز بنيوي عميق في قراءة اتجاهات الرياح الدولية. والأرجح أن هذه السلطة سوف تتعامل مع نتائج الانتخابات الخارجية بمنطق الوهم الرهاني الساذج، متصورةً أن مجيء إدارة جديدة في واشنطن أو حكومة جديدة في “تل أبيب” يمكن أن يحمل تنازلات مجانية لصالح لبنان، متناسية أن العقيدة الاستراتيجية الثابتة للكيان والولايات المتحدة تجاه لبنان ومقاومته لا تتغير بتغير الأشخاص أو الأحزاب الحاكمة، وكل ما هنالك هو تبديل في أدوات الضغط المتبعة، متراوحة بين الحرب المباشرة والدموية وبين الابتزاز السياسي والاقتصادي والمالي.
إن عقم رهان السلطة اللبنانية يتجلّى بأوضح صوره في ذهابها المستمر نحو تقديم تنازلات مجانية على غرار “اتفاق الإطار” والتسويات المذلّة، والأخطر في ذلك هو الدفع المتمادي لفريق التبعية الأميركي – “الإسرائيلي” باتجاه وضع الجيش اللبناني في مواجهة المقاومة وبيئتها والتحريض على قيادة الجيش الوطني والتهويل بالإقالة تارة أو بعقوبات أميركية قادمة تارة أخرى.
وفيما تجد الإدارة الأميركية والمستوى السياسي في “إسرائيل” نفسيهما محكومَين بضرورات احتواء أزماتهما البنيوية الداخلية الناجمة عن فشل مشاريع الحرب، تبادر السلطة اللبنانية بكل خفة سياسية وإفلاس وطني إلى منح العدو ما تعذّر عليه تحقيقه بالنار وساحات القتال، وذلك عبر محاولة تجريد لبنان من عناصر قوته التفاوضية والسياسية والميدانية الأساسية.
هذا الانفصال التام عن الواقع يعكس بوضوح جعل القرار اللبناني مرتهنًا لأجندات خارجية لا تقيم أي وزن لمصلحة الوطن وسيادته، بما يسهم في تحقيق أهداف العدو في محاصرة بيئة المقاومة، وتدجين المؤسسات الرسمية اللبنانية لتتحوّل إلى مجرد منصة تنفيذية لتمرير الإملاءات الخارجية.
لم يفقه هؤلاء بعد أن مفهوم “الردع المقاوم” في المعادلة السياسية والعسكرية المعاصرة ليس مجرد تكتيك يخضع لحسابات الربح والخسارة الموسمية، بل ارتقى ليصبح ضرورة استراتيجية مطلقة وركيزة أساسية لحماية الوجود الوطني اللبناني في مواجهة غطرسة الاحتلال ومشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية، وحين تسقط أوهام الدبلوماسية العقيمة وتسقط شعارات التسوية أمام الشروط الصهيونية المتعنتة، يثبت الميدان يومًا بعد يوم أن قوة الردع التي راكمتها المقاومة هي الكفيلة وحدها بفرض قواعد اشتباك تمنع العدو من استباحة البر والبحر والجو في لبنان.
 هذا الردع ليس شعارًا استعراضيًا، بل هو معادلة حية وملموسة أثبتت فعاليتها الفائقة في تقويض بنك الأهداف “الإسرائيلية”، وإحباط محاولات تحويل الأراضي اللبنانية إلى ساحة مستباحة لتصفية الحسابات أو لتنفيذ الإملاءات الأجنبية. وتبرز الأهمية القصوى لهذا الردع بوضوح حين نربطه بملف الثروات النفطية والغازية وحماية الحدود البحرية والبرية للبلاد؛ فطوال تاريخ الصراع نظر الكيان الصهيوني إلى ثروات لبنان الكامنة في مياهه الإقليمية وفي نفطه وغازه على أنها مستباحة ومتاحة للنهب أو المقايضة، ولم يكن ليحسب حسابًا لأي حقوق لبنانية لولا وجود قوة عسكرية وازنة وقادرة على فرض معادلة “حقل مقابل حقل” و”أمن مقابل أمن”.
إن اتفاقات الإطار والتسويات الشكلية التي تسعى السلطة اللبنانية لتسويقها تحت عناوين خادعة لم تكن سوى محاولات غربية “إسرائيلية” لانتزاع هذه المكتسبات الاستراتيجية بالسياسة والدبلوماسية الخادعة، بعد أن عجزت آلة الحرب المدمرة عن كسر إرادة الصمود والرفض في الميدان.
من هنا، فإن تكريس مفهوم “الردع المقاوم” وتحويله إلى عقيدة وطنية جامعة يمثل السبيل الأنجع لفرض سيادة حقيقية لا تبتزها التغيرات الانتخابية العابرة في واشنطن ولا تهزها التبديلات الحكومية في “تل أبيب”، كما أن الإجماع الإقليمي على رفض الحروب الكبرى يتقاطع موضوعيًا مع صلابة هذا الردع الميداني، ليشكلا معًا مظلة أمان تمنع الانزلاق نحو الانهيار الشامل، وبدلًا من الارتهان لأوهام الخارج، يظل الالتفاف الشعبي والوطني الواسع حول معادلات القوة والسيادة هو الضمانة الوحيدة لحفظ لبنان، حرًّا سيدًا ومصونًا في وجه عواصف المنطقة ومتغيراتها العميقة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى