المدير المفوّض وشقيقه في قلب الاتهامات .. من يقتحم حصون الزيدي ؟

كتب / د. إلياس أحمد..
حين تتحول الثروة النفطية من حق للشعب العراقي إلى مادة للصفقات والامتيازات، يصبح السؤال أكبر من عقد تجاري، وأخطر من خلاف سياسي: من يقرر؟ ومن يستفيد؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
عاد ملف النفط العراقي إلى واجهة الجدل السياسي، بعد التصريحات التي أطلقها المسؤول الأمني للمقاومة الإسلامية كتائب حزب الله، أبو مجاهد العساف، واضعاً الإطار التنسيقي وائتلاف إدارة الدولة أمام سلسلة من الأسئلة الثقيلة بشأن عقود بيع النفط إلى شركة «أدنوك» الإماراتية، وما وصفه بتخفيض سعر البرميل بمقدار 47 دولاراً، فضلاً عن الأرباح الضخمة التي قال إنها تذهب إلى أطراف وشخصيات مرتبطة بهذه الصفقات.
العساف لم يطرح سؤالاً عابراً، بل وضع أسماء توم باراك وطحنون بن زايد وحسن فالح الزيدي وسعد وهيب في قلب اتهامات تتعلق بتوزيع الأرباح والمصالح المالية، متحدثاً عن أرقام تصل إلى 4 تريليونات و500 مليار دينار شهرياً. وهي أرقام إن صحت، تستوجب كشفاً تفصيلياً للرأي العام، وتوضيحاً رسمياً لمصادرها وطبيعة العقود وآليات احتساب الأرباح.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: من يربح من النفط العراقي؟ بل: من سمح بهذه المعادلة؟ وهل كانت هذه العقود بعلم الإطار التنسيقي وائتلاف إدارة الدولة؟ وهل اطلع قادة القوى السياسية على تفاصيلها وشروطها، أم أن القرارات الاقتصادية الكبرى باتت تُدار خلف الأبواب المغلقة بعيداً عن المؤسسات الرقابية؟
إن الحديث عن تخفيضات تصل إلى 47 دولاراً للبرميل، إذا ثبتت تفاصيلها وظروفها التعاقدية، لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلاً تجارياً بسيطاً. فكل دولار يُقتطع من قيمة ملايين البراميل ينعكس مباشرة على إيرادات الدولة، وعلى رواتب الموظفين والخدمات والمشاريع والاستثمار، وعلى مستقبل أجيال لا تملك سوى هذه الثروة لتعويض غياب القطاعات الإنتاجية الأخرى.
وفي قلب هذا المشهد يبرز اسم علي فالح الزيدي، الذي وصفه العساف بـ«المدير المفوض»، واضعاً دوره وعلاقته بهذه الملفات أمام تساؤلات سياسية ورقابية. وهنا تبرز مسؤولية ائتلاف إدارة الدولة، بوصفه شريكاً أساسياً في إدارة المشهد الحكومي، ومسؤولية الإطار التنسيقي عن توضيح موقفه من هذه الاتهامات، بدلاً من ترك الرأي العام أسيراً للتسريبات والتصريحات المتبادلة.
إن أخطر ما في القضية، إن صحت الوقائع المطروحة، ليس حجم الأموال وحده، بل احتمال وجود شبكة مصالح تتقاطع فيها السياسة والتجارة والنفوذ، بينما تبقى الدولة العراقية صاحبة النفط وإيراداته في موقع الطرف الذي يُطلب منه الصمت ودفع الثمن.
الشعب العراقي لا يحتاج إلى بيانات نفي عامة، ولا إلى وعود حكومية جديدة. إنه يحتاج إلى نشر العقود، وكشف أسماء الوسطاء والمستفيدين، وتوضيح السعر الحقيقي للبيع، وآلية احتساب الخصومات والعمولات، وإحالة أي شبهة فساد إلى الجهات الرقابية والقضائية المختصة.
فالنفط ليس ملكاً للإطار التنسيقي، ولا لائتلاف إدارة الدولة، ولا لأي مدير مفوض أو وسيط تجاري. إنه ملك العراقيين جميعاً.
وإذا كانت هذه الصفقات سليمة، فلتُعرض تفاصيلها أمام الشعب. وإذا كانت هناك أرباح وعمولات غير مشروعة، فلتُكشف الجهات المستفيدة منها، أياً كانت مواقعها وأسماؤها.
لقد انتهى زمن مطالبة العراقيين بالصبر بينما تتضخم الأسئلة وتتراكم الشكوك. ومن حقهم أن يعرفوا: من يبيع نفطهم؟ وبأي سعر؟ ومن يحصل على الأرباح؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية؟
إن أخطر صفقة على العراق ليست تلك التي يُباع فيها النفط بسعر منخفض فحسب، بل تلك التي يُحرم فيها الشعب من معرفة من باع، ومَنْ قبض، ومن وقّع، ومن تستر.



