حلف مكة والمهمة الصعبة.. الباب المسدود لحرب إقليمية بلا أفق سياسي

بقلم: د. ادريس هاني..
أخيرا تبين أننا أمام وضعية عماء استراتيجي كبير خيم على حسابات الفاعل الإقليمي الذي اختار طريق المداهنة الاستراتيجية مع قوى تراهن على الاستسلام لا السلام. كم يتطلب الأمر إذن لاختبار الإرادات المناهضة للعبة الأمم التي خرقت كل قواعد الاشتباك، لأن الإمبريالية هي الأخرى معرضة لانتكاسات تفقد معها دهاءها. هم ينتظرون إنجاز نتائج كاملة بمخطط كي الوعي، لكن حرفة قوى التحرر في المنطقة وفي التاريخ كانت ولا تزال هي الصمود، فما في رأس الجمل هو نفسه ما في رأس الجمال كما يقال في أمثالنا الشعبية. إننا نشهد المرحلة التي توثق لذروة الإمبريالية وحماقتها.
في هذا السياق نتساءل: ماذا في وسع أعضاء لقاء مكة أن يفعلوا تجاه معضلة الشرق الأوسط؟ هل يملكون مفاتيح حقيقية لمناهضة الحليف الأكبر الذي لن يقبل منهم إمساك العصا من الوسط؟ هل يا ترى سيقبل الاحتلال بتحقيق هذا المشروع في سياق مواصلة الكيان لمشروع شرق أوسط جديد؟ هل ينتظرون تحقيق بالسلم ما خسروه بالحرب؟ واضح أن وضع بديل لأمن إقليمي مشترك بين الرباعي لن يكون مهمة سهلة، وذلك لأسباب تتعلق بالعقيدة الاستراتيجية لكل من أعضاء لقاء طهران، وبطبيعة التحالفات والمشاريع الخاصة، فضلا عن أن الإقليم لا يعيش فراغا من حيث الخطط المقررة من القوة الكبرى. تمسك إيران بناصية سيادتها وقرارها، وهي في هذه الحرب لا تنفذ أجندة الدول العظمى، هذا يكفي ليجعل أعضاء لقاء طهران في وضعية غير متوازنة، مع أن طهران تدعو منذ بداية الحرب إلى مشروع أمن إقليمي مبني على حسن الجوار، وهي فرصة باتت أكثر جدية من أي وقت مضى، لأن الدعوة الإيرانية تأتي في سياق مواجهة وتحدي ضمن قواعد اشتباك خرقت كل الاستشرافات السياسية، التي راهنت على سقوط إيران عند أول عدوان من قبل الاحتلال وواشنطن.
بدا أعضاء لقاء مكة في وضع لا يحسدون عليه، فكلفة الحرب في مثل هذه الشروط هي أعلى من الناحية المادية والرمزية.
غير أن اجتماع طهران مع الرباعي هو تأكيد على أن الامتداد السياسي للحرب بدأت تتضح أبعاده. هذا في الوقت الذي يتم فيه التلويح الأمريكي بضربة جديد ضد طهران، لا أحد يتصور خصوصيتها بعد أن جربت طهران كل الضربات الممكنة، ولكن في الوقت نفسه هناك حوار يجري بين أعضاء لقاء مكة مع طهران، غايته إيجاد ممر آمن نحو تسوية في الحد الأدنى، تكمن صعوبتها أيضا في التفاصيل. الخيط الناظم بين هذه الحركات التنافسية غايته اعتراف من دون مراسيم بفشل خيار الحرب! لقد اتضح أن احتواء طهران في معركة عنوانها (كل الضربات ممكنة)، بات مستحيلا.
إن الرهان على نتائج الانتخابات لن يفيد في تغيير الموقف، لأن العدوان مرتبط بقرار استراتيجي، ومن هنا قد تبدو اللعبة الانتخابية حامية الوطيس، فيكون مقتضى اللعبة هي التضحية بالأشخاص لإنقاذ هيبة الدولة العميقة أو الاستمرار على الوجوه نفسها لإكمال دور لم ينته. إنها مغالطة الشخصنة بالنسبة لكيان بنيته احتلالية وقوة عظمى بنيتها السيطرة. ليس في يد القوة العظمى شيء متاح للاستعمال لم تستعمله في هذه الحرب، مرة أخرى تفرض لا جدوى الحرب نفسها في المنطقة.
ستقبل طهران بالحوار، وهي تنطلق من أوراق قوة على مستوى كبير من الأهمية، منها مضيق هرمز، وهي أم الأوراق في الحرب الأخيرة. ستحاول القوة الإمبريالية التهوين من قدر الممر المائي الحيوي كما حاولت قبل ذلك التهوين من قدر الورقة النفطية؛ مرة بدعوة إمكانية البحث عن ممرات بديلة، ومرة بدعوى أن النفط يباع في كل الأسواق وليس حكرا على الخليج؛ عقدة إيران ستظل فاعلة في الوعي واللاوعي الإمبريالي ردحا من الزمن.
يضاف إلى تلك الأدوار التي يمكن أن تلعبها إيران في أي اتفاق يسفر عنه مسار لقاء طهران، القدرة على لعب دور حاسم في حل الأزمة بين الرياض واليمن، لطي هذا الملف وتفادي أي مواجهة قد تتسبب في تشظي المنطقة وسقوطها في مستنقع حرب إقليمية لن تخرج منها بأي مكسب سياسي. وقد يبدو أن وجود مخرج للمسألة اليمنية هو أقل كلفة من حرب مفتوحة فقدت جدواها منذ سنوات. ففي السياسة، إذا طالت الأزمة انقلبت إلى مرض مزمن. لكن إذا انحلت هذه القضية، ستتبعها حلول أخرى.
هذا الإقليم بات مريضا بما يكفي، والأزمة مستفحلة في أكثر من بؤرة. يبدو لي أن موضوع اليمن قابل للحل شريطة التحرر من الحصر السياسي، إنه موضوع عصبية أكثر مما هو إدارة مصالح؛ أتحدث هنا عن حسابات الأطراف الإقليمية المعنية بالحرب، لكنها في بعدها الامبريالي هي مخطط دقيق للسيطرة على الممرات المائية. بقرار سياسي شجاع قد تنتهي مشكلة الرياض واليمن، قرار شجاع فقط! الوساطة الإيرانية في النزاع السعودي- اليمني، سيكون ضامنا وحاسما نظرا لطبيعة التحالف الجدي بين أطراف محور المقاومة، وهو ما يفرض تغيير المعجم اللفظي للتعبير عن الواقع، فهي تحالفات تقوم على المشاورات لا الاملاءات، وهنا مكمن سوء الفهم الكبير.
لكن بالنسبة لسوريا، الموضوع معقد أكثر، لأن هناك أطماعا في سوريا تهدد هذا البلد الذي تعرض لأخطر مؤامرة للتخريب. موضوع سوريا بات ممزقا بين تركيا وإسرائيل، وهو موضوع يتجاوز المسرحية الايغورية على الخشبة الشامية.
وطبعا ستكون غزة ولبنان موضوعين رئيسيين لا مخرج للمنطقة من دون حل حقيقي لأزمتهما المتداخلة. غزة هي محور الأزمة اليوم، بل هي محور الصراع في المنطقة؛ ماذا في وسع الرباعي أن يقدم لغزة، بعد أن تبين أن طهران تحملت مسؤوليتها كاملة في معركة الإسناد. غزة اليوم حالة إنسانية يرتهن لها مصير الأمم، فإما أن يتحقق الميثاق الأممي المنسي في الرف أم لا نكون. هناك الكثير مما يمكن أن يقوم به الرباعي إذا ما تقدم قليلا على طريق امتلاك القرار السياسي.
لبنان بدوره يدفع ثمن الأزمة الإقليمية، ذنبه الوحيد أنه يملك بيئة مناهضة للاحتلال، وهو يواجه عدوانا مركبا، في ظل حكومة تعتقد أن الحل قد يتحقق بمجرد تنفيذ مطالب قوى تسعى لتحرير لبنان من مقاومته؛ المفارقة اللبنانية سيكون لها فصل في تاريخ الغرائب العربية. لكن يبقى لبنان جزء من الحل لا مجال لتجاهله.
وللعراق حكاية أخرى، وإن كان الوضع هناك مختلف لانطوائه على ذخيرة بشرية وكتلة سياسية مناهضة للاحتلال. انتهى زمن الاستفراد بالعراق أيا كانت المناورات التي تسعى لاختراقه سياسيا وثقافيا، العراق يحبل بمفاجآت كثيرة، وهو عصب أساسي في معادلة الصراع في الشرق الأوسط.
لا يمكن الأفكار العربية الأخرى أن تفعل شيئا اذا ما تحقق اتفاق الرباعي على قدر من التهدئة وتجاوز سياسة التجاهل الجيوستراتيجي لطهران.
المهم في هذا الاجتماع، هو تجنب الحرب الإقليمية، لأنها لن تكون في صالح الإقليم العربي وعمقه الإسلامي. لكن إلى أي حد يملك المجتمعون إرادة التوافق على مشروع وضمانات، تجنب في الحد الأدنى المنطقة حربا إقليمية حارقة؟ تلك هي المسألة!



