اراء

كيف تمكّنت تركيا من شرعنة الاتفاقية البحرية مع ليبيا؟

بقلم: هدى رزق..


غيّرت أنقرة استراتيجيتها من المواجهة العسكرية المباشرة في ليبيا إلى الانفتاح الدبلوماسي على شرق ليبيا.
بعد أن كانت داعمة لغرب ليبيا استقبلت وفوداً رفيعة المستوى من معسكر الشرق الليبي التي كانت بقيادة خليفة حفتر، شملت زيارات قام بها صدام حفتر (نجل خليفة حفتر ونائب قائد الجيش الوطني) إلى أنقرة، إضافة إلى لقاءات مباشرة جمعت رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالين ووزير الخارجية هكان فيدان مع خليفة حفتر في بنغازي. هذا التقارب ساعد في بناء جسور الثقة وتجاوز عداء الماضي.
أدّت التحولات السياسية الأخيرة داخل البرلمان الليبي دوراً حاسماً؛ حيث تمّت الإطاحة برئيس المجلس السابق عقيلة صالح (الذي كان يمثّل حجر العثرة الأكبر أمام التفاهم مع تركيا)، وانتخاب صالح الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً للمجلس. الصالحين، الذي ترّأس سابقاً لجنة الصداقة البرلمانية الليبية التركية، قاد توجّهاً نيابياً سريعاً أثمر عن تصويت مجلس النواب بالإجماع في 20 تشرين الأول 2026 على المصادقة على الاتفاقية البحرية وإلغاء قرارات مقاطعة تركيا السابقة لعام 2020.
استطاعت الدبلوماسية التركية إقناع القيادات في الشرق والغرب بأنّ الاتفاقية البحرية التي عقدت بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني عام 2019 لا تخدم تياراً أيديولوجياً بعينه (مثل الإسلاميين في الغرب)، بل تؤمّن حقوقاً سيادية واقتصادية استراتيجية للدولة الليبية بأكملها في مياه شرق المتوسط المليئة بموارد الطاقة. هذا الطرح مكّن القوى الشرقية من تبرير تراجعها عن رفضها السابق باعتباره خطوة لحماية حدود ليبيا البحرية ومصالحها القومية في حين حظي الاتفاق البحري بإجماع البرلمان في الشرق لأهميته الاقتصادية والسيادية، استمرت التحفّظات حول الشقّ الأمني والعسكري الذي جلب القوات التركية إلى الغرب. هذا الفصل الذكي سمح لحفتر ومعسكره بالاعتراف بحدود ليبيا البحرية التي رسمتها حكومة الوفاق السابقة من دون الاضطرار للقبول بالوجود العسكري التركي المباشر في مناطق نفوذهم.
تزامن هذا التحوّل مع ترتيبات سياسية أوسع تسعى إليها عائلة حفتر لتعزيز موقعها في أيّ سلطة تنفيذية موحّدة مقبلة في ليبيا (وسط تفاهمات تشمل أدواراً قيادية لصدام حفتر). إدراك معسكر الشرق بأن أنقرة لاعب محوري لا يمكن تجاوزه في أيّ تسوية شاملة، دفعه إلى تقديم “ورقة” المصادقة على الاتفاقية البحرية كبادرة حسن نية لضمان مكانة سياسية واقتصادية طويلة الأمد مع الجانب التركي التحوّل المفاجئ والمصادقة على الاتفاقية البحرية، جاء بالتوازي مع تحرّكات ومقترحات وساطة ترعاها الولايات المتحدة لإيجاد تسوية سياسية شاملة.
لا يمكن لأيّ رئيس مستقبلي أن يحكم ليبيا موحّدة أو يستقرّ في العاصمة طرابلس من دون تفاهم مباشر مع أنقرة وحلفائها في الغرب. قدّم معسكر الشرق ورقة “المصادقة على الاتفاقية البحرية” التي تهم تركيا للغاية، مقابل اعتراف أنقرة بصدام حفتر كلاعب سياسي شرعي وشريك أساسي في أيّ ترتيبات سلطة مقبلة.
الغضب المصري والتحالف مع اليونان
اثار هذا التطوّر غضباً واستياءً شديدين في كلّ من القاهرة وأثينا حيث أعلنت الدولتان فوراً رفضهما القاطع والمطلق. كانت مصر تعتمد طوال السنوات الماضية على معسكر شرق ليبيا (حفتر والبرلمان) كحائط صدّ يمنع شرعنة الاتفاقية التركية. وقّعت مصر واليونان في عام 2020 اتفاقية ثنائية لترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة في شرق المتوسط، وذلك رداً على الاتفاق التركي-الليبي الصادر عام 2019. المصادقة الليبية الحالية تخلق تداخلاً جغرافياً مباشراً؛ حيث يتقاطع الممر البحري التركي-الليبي مع الحدود التي رسمتها القاهرة وأثينا، مما يهدّد بتعطيل مشاريع الطاقة الربط الكهربائي ين أوروبا وعبر اليونان وقبرص ومصر.
ترى اليونان أنّ الاتفاقية التركية-الليبية تمثّل خطراً وجودياً على حقوقها السيادية؛ لأنّ خط الترسيم التركي يتجاهل تماماً الجرف القاري للجزر اليونانية الكبرى المأهولة مثل جزيرة كريت ورودس. وتعتبر أثينا أنّ الاتفاق يخالف اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 وقد سارعت بإبلاغ مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأوروبي بالخرق المباشر لحقوقها.
تشير المؤشّرات الجيوسياسية إلى أنّ مصر وتركيا تحاولان تطبيق استراتيجية “فصل الملفات”؛ حيث تحرص القاهره وأنقرة على ألّا تؤدّي أزمة غاز شرق المتوسط إلى انهيار العلاقات الثنائية والتقارب الاقتصادي الذي تمّ بناؤه مؤخراً.
الولايات المتحدة واللعب على الحبلين
أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً رسمياً في هذا الشأن، أعلنت معارضتها لخطوة المصادقة الليبية على الاتفاقية البحرية التركية. موقفها الرسمي من الاتفاقية البحرية جاء متطابقاً مع الموقفين المصري واليوناني، حيث حاولت الإدارة الأميركية في البداية إمساك العصا من المنتصف عبر دعوة جميع الأطراف إلى الحوار العقلاني. ولكن مع تصاعد القلق في أثينا والضغوط الدبلوماسية، حسمت واشنطن موقفها بشكل حادّ ومنحاز لليونان، وأعلنت أنّ موقفها رافض للاتفاقية منذ عام 2019.
تتفق واشنطن مع الرؤية الأوروبية بأنّ الاتفاقية تتجاهل الجرف القاري للجزر اليونانية، وهو ما يعدّ خرقاً واضحاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وتخشى أميركا من أن يؤدّي فرض الممر البحري التركي المتقاطع مع الحدود المصرية-اليونانية إلى تفجير صراع مسلّح أو تعطيل مشاريع الطاقة الكبرى والربط الكهربائي التي تدعمها واشنطن كبدائل طاقة لأوروبا. الحلّ الوحيد للأزمة هو جلوس تركيا واليونان ومصر إلى طاولة مفاوضات مباشرة وحسن نية لترسيم الحدود البحرية، معتبرة أنّ أيّ خطوات أحادية الجانب بين أنقرة وليبيا لفرض أمر واقع في المتوسط هي خطوات باطلة ومرفوضة دولياً.
تركيا شريك محوري ومباشر في إنجاح المبادرة الاستراتيجية التي يقودها بولس مسعد مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية في ليبيا لإعادة توحيد مؤسسات الدولة. فرغم المعارضة الأميركية الرسمية للاتفاقية البحرية، إلا أنّ مقاربة بولس مسعد تقوم على الفصل البراغماتي بين الخلاف البحري وبين هدف “التسوية السياسية”.
المؤسسة الدبلوماسية” في واشنطن ملزمة بإعلان رفضها للاتفاقية البحرية إرضاءً لحلفائها (اليونان ومصر)، مسعد بولس أرسل من قبل ترامب كمهندس للحلّ السياسي لتقاسم السلطة في ليبيا وهو يرى في إردوغان وأنقرة رافعة أساسية ومحرّكاً لا غنى عنه لإنجاح صفقته الكبرى.
الرجل قادم من خلفيّة رجال الأعمال، وهو يفضّل إبرام الصفقات المباشرة غير المكتوبة وبناء التفاهمات الفوقية بين القوى المهيمنة على الأرض. هذا الأسلوب يتقاطع تماماً مع البراغماتية التركية التي سعت مؤخراً لبناء جسور مع معسكر الشرق وصدام حفتر لضمان اعترافهم باتفاقياتها.
تدرك واشنطن أنّ أيّ تسوية سياسية لإعادة توحيد ليبيا لا يمكن أن تنجح من دون “الضوء الأخضر” والتعاون المباشر من تركيا، كونها القوة العسكرية والسياسية المهيمنة في غرب البلاد.
فهي ضغطت على حلفائها في الغرب للقبول بالانفتاح على معسكر الشرق، نسّقت المبادرة التفاهمات السياسية التي سمحت لصدام حفتر بالصعود كلاعب أساسي. في الواقع، خطوة البرلمان الليبي بالمصادقة على الاتفاقية البحرية كانت بمثابة “ثمن الثقة” الذي قدّمه الشرق لتركيا لتسهيل تمرير تسوية بولس السياسية.
الهدف المشترك.. تأمين تدفّق النفط واستقرار الأسواق
إدارة هذا الملف تتمّ بأسلوب “فصل المسارات”؛ حيث تغضّ مبادرة بولس الطرف عملياً عن الملف البحري وتركّز بالكامل على الملف السياسي التنفيذي، مما يتيح لأنقرة نيل مبتغاها البحري مقابل إنجاح الترتيبات السياسية التي تقودها واشنطن.
تتقاطع رغبة إردوغان في حماية مكاسبه البحرية والاقتصادية مع رغبة إدارة ترامب في تحقيق استقرار نفطي بليبيا. يطمح بولس إلى رفع إنتاج النفط الليبي لضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية، وهو هدف لا يمكن تحقيقه إذا تكرّرت الصدامات العسكرية بين الشرق والغرب، مما يجعل الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة ومتفاهمة مع إردوغان ضرورة أميركية ملحة.
فالإدارة الأميركية الحالية تفضّل لغة “الصفقات الواقعية”، وإردوغان أثبت أنه شريك قادر على تقديم التسهيلات السياسية على الأرض في طرابلس، مقابل غضّ واشنطن الطرف عملياً عن مسألة تمرير الاتفاقية البحرية مع برلمان الشرق.
أما “إسرائيل” فهي وصفت الخطوة بأنها محاولة تركية جديدة لزعزعة استقرار منطقة شرق المتوسط والتعدّي على حقوق حلفائها الإقليميين. وجاء الموقف الإسرائيلي متطابقاً مع الرفض المصري واليوناني بناءً على عدة حسابات استراتيجية حيث ترتبط “إسرائيل” بتحالف جيوسياسي وثيق جداً مع كلّ من أثينا ونيقوسيا (سواء في مجالات الأمن، المناورات العسكرية المشتركة، أو قطاع الطاقة والغاز).
وترى “تل أبيب” أنّ الاعتراف الليبي بالحدود التركية يمثّل تهديداً مباشراً للمصالح السيادية والحدود البحرية لليونان وقبرص، وبالتالي فإنّ إدانتها الفورية جاءت لتقديم إسناد دبلوماسي لحلفائها في مواجهة الأطماع البحرية لأنقرة
تخشى “إسرائيل” من أن يؤدّي ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا إلى إحكام قبضة أنقرة على الممرات المائية الحيوية في المتوسط؛ مما يمنح تركيا “حقّ الفيتو” أو القدرة على تعطيل أيّ مشاريع مستقبلية لتصدير الغاز الإسرائيلي أو مشاريع الربط الكهربائي الكبرى مثل التصدير من “إسرائيل” وقبرص عبر اليونان إلى أوروبا.
حسمت أنقرة صراعاً استمر لسنوات في منطقة شرق المتوسط. وتتلخّص الأسباب التي تجعل من هذا الحدث إنجازاً تركياً أغلقت به الثغرة القانونية والسياسية التي كان يستغلها خصومها، وأصبحت الاتفاقية تمثّل الدولة الليبية الموحّدة بشرقها وغربها، مما يصعّب الطعن فيها دولياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى