رؤوس الأموال تتجه نحو استثمار العقارات وتهمل المشاريع الإنتاجية

بسبب تعقيدات الروتين الإداري
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
تتجه رؤوس الأموال المحلية في العراق بصورة متزايدة نحو القطاع العقاري، على حساب القطاعات الإنتاجية كالصناعة والزراعة والتكنولوجيا، في ظل تحديات اقتصادية وهيكلية تعرقل الاستثمار المنتج، وتتمثل بصعوبة توفير الطاقة، وتعقيدات التمويل المصرفي، وتهالك البنى التحتية، فضلاً عن الروتين الإداري الذي يحُدُّ من قدرة المشاريع الإنتاجية على المنافسة وتحقيق الأرباح.
وأعلنت هيأة الاستثمار الوطنية أن المشاريع السكنية تستحوذ على نسب تتراوح بين 45 و 60 بالمئة من إجمالي الاستثمارات، مؤكدة أن قطاع الإسكان والبناء والمدن السكنية الجديدة يتصدر القطاعات الأكثر استقطاباً للإجازات الاستثمارية، نتيجة الطلب المتزايد على الوحدات السكنية لأصحاب الدخول المرتفعة، فضلاً عن اعتبار العقار ملاذاً آمناً نسبياً لحماية رؤوس الأموال من التضخم وتقلبات السوق.
ويعود هذا التوجه بحسب مختصين إلى سرعة دوران رأس المال في المشاريع العقارية وإمكانية تحقيق عوائد خلال مُدد أقصر، مقارنة بالمشاريع الصناعية والزراعية التي تحتاج إلى تمويل مستمر وبنى تحتية متطورة ودراسات طويلة الأمد، الأمر الذي يدفع المستثمرين إلى الابتعاد عن القطاعات الإنتاجية التي تواجه تحديات متعددة.
وفي المقابل يرى مراقبون أن التوسع في المشاريع السكنية، رغم أهميته في معالجة أزمة السكن، لا يعني بالضرورة وصول فوائده إلى الشرائح محدودة الدخل، إذ تبقى القدرة على شراء الوحدات السكنية مرتبطة بمستويات الدخل المرتفع وليس متاحة لكافة المواطنين، ما يجعل الاستفادة منها متفاوتة بين فئات المجتمع.
وأضافوا أن هناك تناقضاً بين توجهات الحكومة المعلنة لتنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، وبين استمرار تراجع الصناعة والزراعة وضعف الدعم المقدم إليهما، مؤكدين أن المعامل والمصانع المتوقفة تحتاج إلى برامج حقيقية لإعادة التأهيل والتحديث، وتوفير الآليات الحديثة والطاقة والتمويل اللازم لإعادة تشغيلها.
وفي السياق ذاته أكد المهتم بالشأن الاقتصادي د. فالح الزبيدي، في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “الحكومات المتعاقبة تتحمل مسؤولية كبيرة عن تراجع القطاعات الإنتاجية، نتيجة إهمالها وعدم منحها الأولوية الكافية ضمن البرامج الحكومية، مشيراً إلى أن الدول المتقدمة تعتمد على حماية صناعاتها المحلية وتوفير الظروف المناسبة لنمو الإنتاج الوطني”.
وشدد الزبيدي على “ضرورة دعم القطاع الزراعي من خلال توفير الأراضي والتخصيصات المالية ومساندة الفلاحين، بما يُسهم بزيادة الإنتاج المحلي وتحسين الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مبيناً أن تطوير الصناعة يتطلب إعادة تأهيل المعامل المتوقفة وتحديث خطوط الإنتاج وتوفير مستلزمات التشغيل، إلى جانب تقليص الروتين البيروقراطي في دوائر الدولة”.
ولفت إلى أن “بيئة الاستثمار تحتاج أيضاً إلى إصلاحات إدارية ومؤسسية تضمن تكافؤ الفرص، وتحُدُّ من تأثير المحاصصة والعلاقات السياسية في توزيع الفرص الاستثمارية، فضلاً عن تقديم حوافز واضحة لجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية نحو المشاريع الإنتاجية بدلاً من حصرها في العقارات”.
وفي ظل هذه التحديات يبقى تنويع الاقتصاد العراقي، حسب رأي الخبراء، مرهوناً بقدرة الحكومة على تحويل التوجهات الى القطاعات الإنتاجية الأخرى، تبدأ بإصلاح البيئة المصرفية وتطوير البنى التحتية وتسهيل إجراءات الاستثمار، وصولاً إلى إعادة تشغيل المصانع ودعم الزراعة والصناعة، بما يضمن توجيه رؤوس الأموال نحو قطاعات قادرة على توفير فرص العمل وتعزيز الإنتاج الوطني وتقليل الاعتماد على النفط.



