آسيا الوسطى بين بكين وواشنطن.. صراع النفوذ في زمن اضطرابات الشرق الأوسط

بقلم: تمارا برو..
تتحوّل آسيا الوسطى تدريجياً إلى إحدى أبرز ساحات التنافس الجيوسياسي والاقتصادي بين القوى الكبرى، بعدما اكتسبت أهمية استراتيجية متزايدة بفعل موقعها الجغرافي الرابط بين الصين وروسيا وأوروبا والشرق الأوسط، وما تمتلكه من ثروات نفطية وغازية ومعدنية، فضلاً عن دورها المحوري في شبكات النقل والتجارة البرية. ولم يعد الاهتمام بهذه المنطقة مقتصراً على الصين وروسيا والولايات المتحدة، بل امتد إلى قوى أخرى، وفي مقدمتها اليابان وكوريا الجنوبية، اللتان تسعيان إلى تعزيز شراكاتهما الاقتصادية مع دولها، وتنويع مصادر الطاقة والمعادن الحيوية وسلاسل الإمداد.
وقد اكتسب هذا التوجه زخماً إضافياً عقب الحرب مع إيران وما رافقها من اضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية، الأمر الذي أعاد إبراز أهمية الممرات البرية ومصادر الإمداد الأقل تعرضاً للتوترات البحرية. وفي ظل هذه التحولات، باتت آسيا الوسطى تحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى؛ ليس فقط باعتبارها مصدراً للموارد الطبيعية، بل أيضاً بوصفها حلقة وصل حيوية في إعادة تشكيل طرق التجارة والطاقة العالمية.
زيارات متلاحقة تعكس تصاعد التنافس الصيني-الأمريكي
تعكس الزيارتان المتقاربتان زمنياً لرئيس الوزراء الصيني “لي تشيانغ” إلى طاجيكستان، ووزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” إلى أوزبكستان في تشرين الأول 2026، تصاعد التنافس بين بكين وواشنطن على تعزيز نفوذهما في آسيا الوسطى. فقد ركزت زيارة لي تشيانغ إلى طشقند على توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز مشروعات البنية التحتية والربط البري، ولا سيما مشروع السكك الحديدية بين الصين وقرغيزستان وأوزبكستان، في إطار ترسيخ الحضور الصيني في المنطقة.
المعادن الحيوية.. رهان واشنطن في آسيا الوسطى
تشكّل المعادن الحيوية أحد أبرز دوافع الاهتمام الأمريكي المتزايد بآسيا الوسطى، في ظل المنافسة المتصاعدة مع الصين على الموارد الاستراتيجية وسلاسل الإمداد العالمية. وقد ازدادت أهمية هذه المعادن عقب الحرب مع إيران، وما رافقها من استهلاك مكثف للذخائر والصواريخ الاعتراضية، الأمر الذي أبرز حاجة واشنطن إلى تأمين المواد اللازمة لتعويض مخزوناتها العسكرية وتعزيز قدراتها الصناعية والدفاعية.
وفي هذا السياق، تبرز آسيا الوسطى -بما تمتلكه من ثروات معدنية مهمة، ولا سيما في كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان- خياراً استراتيجياً لتنويع مصادر الإمداد وتقليص الاعتماد على الصين، التي تتمتع بهيمنة واسعة على معالجة العديد من المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة.
أزمة هرمز وتعاظم الأهمية الاستراتيجية لآسيا الوسطى
أعادت الحرب مع إيران وما رافقها من اضطرابات في الملاحة عبر مضيق هرمز تسليط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لآسيا الوسطى، باعتبارها مصدراً للطاقة وممراً برياً للتجارة بعيداً من نقاط الاختناق البحرية. وتكتسب المنطقة أهمية خاصة بالنسبة إلى الصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات النفط القادمة من الشرق الأوسط، ما يدفعها إلى تعزيز شراكاتها في مجال الطاقة وتطوير خطوط الأنابيب وشبكات السكك الحديدية التي تربطها بدول آسيا الوسطى.
الممرات البرية.. العمق الاستراتيجي للصين
تتمتع الصين بأفضلية جغرافية واقتصادية في آسيا الوسطى؛ إذ تشكل المنطقة امتداداً برياً مباشراً لأراضيها وبوابة أساسية نحو الأسواق الأوروبية والشرق أوسطية. وقد عملت بكين خلال السنوات الماضية على تحويل هذا الموقع إلى شبكة مترابطة من خطوط الطاقة والسكك الحديدية والطرق التجارية ضمن “مبادرة الحزام والطريق”. ويبرز في هذا السياق خط أنابيب النفط بين كازاخستان والصين، وخط أنابيب الغاز الذي ينقل إمدادات آسيا الوسطى إلى السوق الصينية، إلى جانب شبكات النقل البري عبر كازاخستان ومشروع السكك الحديدية بين الصين وقرغيزستان وأوزبكستان.
واشنطن والممرات البرية.. منافسة الصين على طرق التجارة
في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيز حضورها في شبكات النقل التي تربط آسيا الوسطى بالأسواق العالمية، وفي مقدمتها “الممر الأوسط” العابر لبحر قزوين، الذي يصل المنطقة بأذربيجان وجورجيا وتركيا وصولاً إلى أوروبا. وتكمُنُ أهمية هذا الممر بالنسبة إلى واشنطن في توفير طريق تجاري يتجنب الأراضي الروسية، ويقلص الحاجة إلى الاعتماد على المسارات التي تمر عبر إيران، فضلاً عن تسهيل وصول الموارد الاستراتيجية من آسيا الوسطى إلى الأسواق الغربية.
آسيا الوسطى وصراع إعادة تشكيل موازين القوة
تكشف التحركات الصينية والأمريكية المتسارعة نحو آسيا الوسطى عن تنامي أهميتها في إعادة تشكيل موازين القوة في أوراسيا، خصوصاً بعد الحرب مع إيران واضطرابات مضيق هرمز، التي عززت أهمية الممرات البرية وتنويع مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد. وبينما تسعى الصين إلى ترسيخ نفوذها الاقتصادي والاستراتيجي، تحاول واشنطن توسيع حضورها وتقليص الهيمنة الصينية، ولا سيما في قطاع المعادن الحيوية.
غير أن حسم هذا التنافس لن يتوقف على الزيارات والاتفاقيات، بل بالقدرة على تحويل التعهدات إلى استثمارات ومشروعات مستدامة. وفي ظل الأفضلية الجغرافية والاقتصادية التي تتمتع بها بكين، تبدو إزاحتها مهمة صعبة، وبين الطموح الأمريكي والتمدد الصيني، تسعى دول آسيا الوسطى إلى الحفاظ على هامش المناورة والاستفادة من تنافس الطرفين.



