بنية التحالفات الأميركية تنهار والكيان “ينتحر”

بقلم: مازن النجار..
شغلت التطوّرات المفاجئة في اليمن محللين وأكاديميين كثراً. مؤخراً، ناقش تريتا بارسي وجون ميرشايمر -عبر بودكاست “تحالف المجتمع لأجل السلام والعدالة”- مأزق ترامب بعد سيطرة “أنصار الله” على المخا والساحل حتى باب المندب، وكارثة السعودية المتفاقمة، وخيارات التصعيد والمخرج الدبلوماسي.
عبّر الخبيران عن تشاؤمهما بشأن احتمال خفض التصعيد قريباً، وكان ميرشايمر أكثر تشاؤماً بشأن الآفاق الدبلوماسية في المدى البعيد. لكنّ النقطة الأكثر إلحاحاً: حتى الآن، التصعيد من الجانبين محسوب ومنضبط. قد تتغيّر ديناميات الصراع، ويخرج التصعيد عن السيطرة. باختصار، يُخشى انهيار بالشرق الأوسط تُفقَد معه القدرة على إيجاد مخرج دبلوماسي.
وفي برنامج “سويتزر لاند” مؤخراً، يقول البروفسور ميرشايمر: لا تعبثوا مع الحوثيين، محذراً مما بدا هجوماً أميركياً وشيكاً ضد أنصار الله؛ فالرئيس ترامب يواجه ضغوطاً سعودية هائلة لدعم حربها مع الحوثيين.
ويرى أنّ الولايات المتحدة لا تملك خياراً عسكرياً مجدياً ضد الحوثيين، وبالتالي فإنّ شنّ ضربات عسكرية ضدهم سيكون بمثابة حماقة. ولحسن الحظ، أدرك مستشارو ترامب أنّ أميركا لا نستطيع هزيمة الحوثيين، فأقنعوه بإلغاء الهجوم، وهو ما فعله بالفعل في وقت متأخر من يوم الأحد.
يشعر السعوديون -الذين يتلقّون ضربات موجعة من الحوثيين- بغضب عارم تجاه ترامب؛ فهو عاجز عن إيجاد سبيل لإنهاء أيٍّ من الحربين: حربه الكارثية ضد إيران منذ 28 شباط 2026، أو الحرب الجديدة بين الحوثيين والسعوديين في 13 تموز 2026 وتصاعدت حدّتها بشكل خطير في 8 أيلول 2026.
السعودية والحرب في اليمن
بدوره، يرى السفير تشاس فريمان، مساعد وزير الدفاع الأميركي الأسبق، أنّ الولايات المتحدة تفقد قدرتها على استدامة البنية الأمنية التي أقامتها غرب آسيا، بينما السعودية وإيران وتركيا والصين وروسيا تتكيّف مع ميزان قوى إقليمي يتغيّر بسرعة.
في بودكاست غلين ديزن، الأكاديمي النرويجي، “أوراسيا الكبرى” Greater Eurasia، يشير فريمان إلى أنّ السعودية باتت في وضع كارثي، إذ إنّ حربها المتجدّدة مع “أنصار الله” جعلت بنيتها التحتية النفطية ومنشآتها العسكرية عرضة للخطر، وعرقلت قدرتها على تصدير الطاقة اعتيادياً. يسيطر “أنصار الله” على 80% من ديموغرافية اليمن، وقد رسّخوا موقعاً استراتيجياً حاكماً على البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ويرى فريمان أنّ الخيار العسكري أمام السعودية “معدوم” عملياً، والحلّ المنطقي هو الوساطة مع “أنصار الله”، وإيران هي الوسيط الوحيد الممكن. لذا، تحتاج المملكة لعلاقة تعاون مع إيران وحلّ النزاع مع الحوثيين.
إيران وانهيار الهيمنة الأميركية
يؤكّد فريمان انهيار الاتفاق الأميركي السعودي التقليدي. فخلال عقود، وفّرت الولايات المتحدة للمملكة الأمن مقابل حصولها على امتيازات الوصول لموارد الطاقة. إلا أنّ واشنطن فشلت مراراً في حماية مصالح السعودية، سيما بعد الهجمات على حقل أبقيق والمنشآت العسكرية السعودية. ولذلك، تسعى المملكة لتنويع علاقاتها والتوجّه نحو ترتيبات تشمل باكستان وتركيا والصين وروسيا.
تُدرك دول الخليج بشكل متزايد أنّ الحماية الأميركية لم تعد أمراً مفروغاً منه. ويمثّل التعاون الناشئ بين باكستان والسعودية وتركيا محاولة لبناء ترتيب أمني إقليمي أقلّ اعتماداً على أميركا.
وقد كشفت الحرب الدائرة حول مضيق هرمز ضعف الموقف الأميركي. فالقوات الأميركية تعمل في نهاية سلسلة إمداد طويلة للغاية، في حين تعرّضت القواعد الأميركية بالمنطقة لأضرار جسيمة. تدمير المنشآت بالبحرين وإلحاق الضرر بمواقع أميركية أخرى جعل الوضع العسكري الحالي غير قابل للاستمرار. وستكون أولوية السعودية ودول الخليج هي استعادة العلاقات بإيران وإيجاد تسوية سياسية.
“إسرائيل” وأزمة الصهيونية
يعتقد فريمان أنّ “إسرائيل” “تنتحر” على عدة أصعدة. مع تراجع الدعم الدولي، وتزايد هجرة كفاءاتها وعلمائها، وانقساماتها السياسية الداخلية، وتصاعد المعارضة لمعاملتها للفلسطينيين.
فحرب “إسرائيل” في غزة وأعمالها في الضفة الغربية ولبنان خلقت مشكلات أخلاقية وسياسية عميقة. كما تواجه استراتيجية “إسرائيل” الإقليمية تحديات متزايدة نتيجةً لظهور تعاون إقليمي أقوى يضم تركيا والسعودية وباكستان.
ويرى فريمان لضعف الموقف الأميركي دلالة خاصة، لاعتماد “إسرائيل” طويلاً على القوة الأميركية. فالنظام الإقليمي الناشئ يُقيّد بشكل متزايد مشروع “إسرائيل الكبرى”.
أوكرانيا وفشل الاستراتيجية الغربية
بحسب فريمان، أثبتت حرب أوكرانيا صحة ادّعاء روسيا بأنّ توسّع حلف الناتو وضمّ أوكرانيا يشكّل تهديداً لا يُحتمل لروسيا. وستكون الحرب كارثة على أوكرانيا، وخسارة لأراضيها، وتراجع عدد السكان وتدهور الصناعة، وتدمير البنية التحتية.
لقد تمّ التخلّي عن الدبلوماسية عندما مُنعت مفاوضات إسطنبول عام 2022 من إنتاج تسوية بتحريض الغرب الذي لا يملك حلاً دبلوماسياً للصراع. وتبدو أوكرانيا سياسة غربية فاشلة، ويفاقم الأوضاع رفض التواصل مع روسيا.
بدوره، يرى العميد في البحرية الملكية البريطانية، ستيف جيرمي، أنّ ميزان القوى العالمي قد تغيّر جذرياً، وأنّ على حكومات الغرب أن تُدرك أنّ فرضيّات استراتيجياتها العسكرية والاقتصادية لم تعد صالحة. لا تزال الولايات المتحدة قوة عسكرية هائلة، لكنها لم تعد قادرة على استخدام هذه القوة كما كان سابقاً. لقد ولّى زمن افتراض التفوّق العسكري الأميركي.
الإنتاج الصناعي والطاقة والتفكير الاستراتيجي
فميزان القوى، بحسب جيرمي، لا يُقاس فقط بالناتج المحلي الإجمالي وعدد السكان والثروة المالية. هناك ثلاثة عوامل أساسية: “الإنتاج الصناعي”، و”الطاقة”، والقدرة على “التفكير والتصرّف استراتيجياً”.
فالناتج المحلي الإجمالي مقياس مُضلّل للقوة العسكرية، لأنه يشمل الخدمات المالية والعقارات وقطاعات أخرى لا تُنتج مباشرة المواد اللازمة للحرب، بينما يُتيحها الإنتاج الصناعي. فروسيا، مثلاً، تمتلك في اقتصادها مكوّناً صناعياً أكبر بكثير مقارنةً ببريطانيا أو فرنسا، وهذا أمر بالغ الأهمية عندما تتطلب الحروب قذائف مدفعية وصواريخ وطائرات مسيّرة ومعدات أخرى بكميات هائلة.
الطاقة عنصر أساسي بالقدر نفسه. فالإنتاج الصناعي والعمليات العسكرية مجالان كثيفا الاستهلاك للطاقة بشكل استثنائي. قرار أوروبا بالابتعاد عن الطاقة الروسية الرخيصة ساهم في تدهور الصناعة، في حين أنّ فكرة إمكانية استمرار حرب حديثة اعتماداً على الطاقة المتجدّدة وحدها غير واقعية. تستهلك اللوجستيات العسكرية كميات وقود هائلة، ومن دون إمدادات طاقة آمنة، تتدهور القدرة الصناعية والعسكرية.
العامل الثالث هو الكفاءة الاستراتيجية. قد تمتلك دولة ما موارد هائلة، لكنها تهدرها بسبب سوء التفكير الاستراتيجي. وسجل التدخّل الغربي بأفغانستان والعراق وليبيا وسوريا، إلى جانب حروب روسيا وإيران، يظهر فشلاً متكرراً في التفكير الاستراتيجي قبل استخدام القوة.
حدود تمدّد القوة الغربية
تتأثّر القوة العسكرية أيضاً بالظروف الجغرافية. فلا يمكن للبحرية أن تحلّ ببساطة محلّ الجيش، وتصبح القوة العسكرية أقلّ فائدة بكثير عندما يتعذّر تحقيق التفوّق الجوي والسيطرة البحرية.
شكّل تطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والأسلحة فرط صوتية تحدّياً خطيراً لهياكل القوات الغربية. فإذا لم تتمكّن القوات الأميركية من تحقيق التفوّق الجوي أو تأمين السيطرة على البحار، فإنّ النموذج الأميركي لتمدّد القوة وبسط النفوذ يصبح مشكوكاً به. لا يمكن للطائرات وحاملاتها وقوات الإنزال البرمائي والقوات البرية العمل بأمان إذا لم تستطع الوصول لمناطق عملياتها المُستهدفة أو البقاء فيها.
ويشير جيرمي لعواقب وخيمة. قد تبقى الولايات المتحدة قوية للغاية، لكنّ قدرتها على نشر هذه القوة في زمان ومكان تختارهما قد ضعفت بشدة. لذلك، ينبغي الآن اعتبار “نهاية الهيمنة الأميركية حقيقة واقعة” وليست احتمالاً بعيداً.
روسيا والصين والتوازن الجديد
تُعدّ روسيا والصين عنصرين أساسيين في التوازن الدولي الناشئ نظراً لامتلاكهما قدرات صناعية وعسكرية وموارد طاقة هائلة. تمتلك روسيا جيشاً كبيراً متمرساً في القتال وقوات صاروخية واسعة النطاق، بينما تُعتبر الصين القوة الصناعية العظمى في العالم وقوة بحرية رئيسية. كما أنّ اعتماد الصين على المحروقات الروسية يجعل العلاقة بين البلدين ذات أهمية استراتيجية بالغة.
لذا، يتعيّن على دول الأطراف الجغرافية الأوراسية – ومنها بريطانيا والنرويج واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان – إعادة النظر في افتراضاتها الأمنية. لم يعد آمناً افتراض أنّ التحالف مع أميركا يضمن نصراً عسكرياً تلقائياً.
بحسب جيرمي، ينبغي لأوروبا أن تُدرك تغيّر موازين القوى، وأنّ تُطوّر علاقات عمل مع روسيا والصين ترتكز على المصالح العملية والتجارة والأمن وليس المواجهة الأيديولوجية.
عودة إلى الأمن الأوروبي
لا يعتبر جيرمي ركائز الأمن الأوروبي القديمة -القوة الأميركية وحلف الناتو- أسساً كافية للمستقبل. تحتاج أوروبا لإعادة النظر في بنيتها الأمنية والعودة لمبادئ الأمن الجماعي المرتبطة بمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE).
دعت روسيا مراراً إلى نظام أمني أوروبي مشترك، وينبغي لأوروبا الإنصات لهذه المقترحات بدلاً من رفضها تلقائياً. يجب أن يكون الهدف هو وضع ترتيبات قادرة على منع نشوب حرب أوروبية كبرى أخرى.
المهمة الأساسية الآن هي المراجعة والتقويم الاستراتيجي الذاتي. ينبغي لأوروبا الإقرار بتراجع قدراتها الصناعية والعسكرية، ودراسة أسباب فشل الحروب السابقة، وإعادة النظر بفرضية التدخّل العسكري في الخارج الخيار الأمثل للسياسة.
التشبّث بوضع لم يعد قائماً
يتشبّث الغرب بوضع راهن “مقدّس” لم يعد قائماً. بينما تطوّر دول بريكس نهجاً بديلاً قائماً على الإجماع والتوافق والقواعد والمؤسسات الدولية.
يُبرز فريمان تحديداً حجة الصين بأنّ عالمًا بلا قواعد يشبه تقاطع شوارع بلا إشارات مرور. تعيد الصين ودول “بريكس” الأخرى اكتشاف أهمية القانون الدولي بينما يتجاهله الغرب بشكل متزايد.
إنّ الحنين للماضي لا يحلّ محلّ الواقعية. فالنظام الدولي القديم قد ولّى، بينما النظام الناشئ لم يُفرض بعد، وستحدّد التغيّرات الجارية خارج الغرب ما سيحلّ محلّه بنهاية المطاف.
يتوقّع جيرمي أنّ النظام العالمي الناشئ سيكون متعدّد الأقطاب أكثر. ليس بالضرورة أن تضعف أوروبا نتيجةً لذلك، ولكن عليها إدراك ميزان القوى الجديد وبناء علاقات أمنية واقتصادية وفقاً لذلك.



