اراء

فقدان البوصلة الاستراتيجية وتعطّل الحسم في الحرب الأميركية الإيرانية

بقلم: أ. د. احمد القطامين..


تدخل الحرب الأميركية–الإيرانية مرحلة يمكن وصفها بأنها «حرب بلا نهاية استراتيجية واضحة»؛ فبعد أشهر من القتال، لم يتمكن أي من الطرفين من تحويل التفوق التكتيكي إلى حسم سياسي واستراتيجي. واللافت أن مأزق الحرب لا يعود فقط إلى توازن القوة، بل إلى أزمة في تعريف الهدف النهائي للحرب لدى واشنطن، يقابلها قدر كبير من التعنت الاستراتيجي لدى طهران.
المشكلة الأميركية الأساسية أن إدارة ترامب تبدو وكأنها تتحرك بين أهداف متعددة ومتعارضة: تدمير البرنامج النووي الإيراني، إضعاف الصواريخ، تحجيم النفوذ الإقليمي، الضغط على النظام، وربما دفعه إلى تغيير سلوكه أو حتى تغييره بالكامل. وكل هدف من هذه الأهداف يحتاج إلى استراتيجية مختلفة وأدوات مختلفة ونقطة نهاية مختلفة. وعندما تتعدد الأهداف من دون ترتيب واضح للأولويات، تتحول القوة العسكرية من وسيلة لتحقيق غاية سياسية إلى غاية قائمة بذاتها.
  وهنا تظهر أزمة «البوصلة الاستراتيجية». فالضربات الأميركية تستطيع تدمير منشآت وقواعد وقدرات عسكرية، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج نظام سياسي جديد أو إجبار دولة كبيرة مثل إيران على قبول شروط تتعارض مع تصورها لأمنها القومي. والأخطر أن واشنطن لم تعد تملك ترف الانتظار بلا تكلفة؛ فاستمرار الحرب يستنزف الذخائر والموارد، ويرفع أسعار الطاقة، ويخلق ضغوطاً سياسية داخلية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. وتشير تقارير حديثة إلى أن الإدارة الأميركية تحاول حالياً إبقاء الحرب «هادئة» قبل الانتخابات، مع احتمال إعادة النظر في التصعيد بعدها.
لكن الطرف الإيراني ليس أقل مسؤولية عن استمرار المأزق. فالتعنت الإيراني يقوم على قناعة مفادها أن مجرد البقاء والصمود يمثلان انتصاراً استراتيجياً. ولذلك تتعامل طهران مع التنازل باعتباره خطراً وجودياً، لا مجرد تنازل تفاوضي. وهي تحاول رفع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها من خلال الضغط على الملاحة والطاقة وتوسيع ساحات المواجهة، مع الحرص ــ حتى الآن ــ على عدم الانتقال إلى مستوى يؤدي بالضرورة إلى حرب شاملة لا تستطيع السيطرة على نتائجها.
المفارقة أن كل طرف يعتقد أن الزمن يعمل لصالحه. واشنطن تراهن على أن الضغط الاقتصادي والعسكري سيجبر إيران في النهاية على تقديم تنازلات. وطهران تراهن على أن ارتفاع تكلفة الحرب على الولايات المتحدة، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، سيدفع ترامب في النهاية إلى البحث عن مخرج تفاوضي. وهكذا تتحول الحرب إلى صراع إرادات، لا إلى عملية عسكرية تقود إلى نتيجة سياسية محددة.
ولهذا تحديداً يصعب تصور حسم قريب. فالحسم العسكري الأميركي الكامل يتطلب تكلفة هائلة وربما تدخلاً أوسع، بينما الحسم الإيراني غير ممكن عسكرياً أمام التفوق الأميركي. لذلك يبقى الخيار الأكثر واقعية هو حسم تفاوضي يخرج من رحم الاستنزاف.
المعضلة أن كلا الطرفين لم يصل بعد إلى اللحظة النفسية التي يقتنع فيها بأن التسوية أقل كلفة من استمرار الحرب. وما لم تتغير هذه المعادلة، ستبقى الحرب تدور في دائرة خطيرة: تصعيد محدود، رد إيراني، ضغط أميركي، وساطة، اقتراب من التسوية، ثم انهيارها والعودة إلى التصعيد مجددا.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد لا يكون الطرف الذي ينتصر في النهاية هو الأكثر قوة، بل الطرف الأكثر قدرة على تحديد اللحظة التي يجب أن يتوقف فيها عن القتال. وفي الحروب الطويلة، فقدان هذه اللحظة قد يحول الانتصار التكتيكي إلى هزيمة استراتيجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى