مرتضى حسن حنيص .. امتداد الجين الفني ورهان التجربة الأكاديمية

المراقب العراقي / ماجد حميد..
من طين الجنوب الممتزج بالنخوة والرفض، ومن عمق البيئة الشعبية في مدينة الصدر السمراء، تشكّلت تجربة فنية تحمل في أبعادها إرثاً إنسانياً وثقافياً متفرداً. لم تكن مسيرة الفنان الشهيد حسن حنيص مجرد محطة عابرة في تأريخ المسرح العراقي، بل كانت موقفاً فكرياً وإنسانياً انحاز فيه للكرامة ورفض الاستبداد، ودفع حياته ثمنًا لتمسكه برسالته. غير أن هذا الإبداع لم ينقطع، بل امتد عبر الجينات والروح ليثمر حضوراً لافتاً في تجربة نجله الفنان مرتضى حسن حنيص.
استطاع مرتضى حنيص وهو خريج كلية الفنون الجميلة أن يزاوج بين أصالة الموهبة الفطرية وصقل المادة الأكاديمية، متجاوزاً عبء الاتكاء على الإرث العائلي، ليصنع لنفسه هويته الخاصة كممثل يمتلك قدرة عالية على التلوّن بين الأدوار المركبة، الكوميديا، والشخصيات العسكرية والتأريخية.
بدأ مسيرته الاحترافية مبكراً وهو على مقاعد الدراسة، حيث كانت خطوته الأولى الراسخة في مسلسل “حكاية جامعية” عام 2009 تحت قيادة المخرج عبد العليم طاهر وبمشاركة رواد التمثيل كالفنان عز الدين طابو وكاظم القريشي. وتوالت مشاركاته ليتصدر بطولة مسلسل “صدى الماضي” عام 2010، إلى جانب مشاركته في أعمال بيئية واجتماعية مثل “الدهانة” ،”وكر الذيب”، و”سنوات الرماد”. ومع دخوله مرحلة النضج وتثبيت الحضور بين عامي 2012 و2014، سجل حضوراً متعدداً في الدراما التأريخية والتراثية عبر شخصية يوسف في “أعماق الأزقة”، وأعمال توثيقية مثل “علي الوردي”، “سليمة باشا”، “قصة حي بغدادي”، و”القناص”، وصولاً إلى المسلسلات التلفزيونية ذات البعد السياسي والاجتماعي كـ “نقرة السلمان” و”سامكو”.
شهدت مسيرته بين عامي 2020 و2024 تنوعاً لافتاً بين الكوميديا الاجتماعية والدراما المركبة؛ فقدم أعمالاً مثل “وارد أمريكي”، “غايب في بلاد العجايب”، و”بغددة”، كما تعمق في الأدوار التلفزيونية الجادة عبر مسلسلات “رحيق”، و”العوالي” بشخصية رائد ثامر، و”الخوات” بشخصية جعفر، وبرع في الأعمال الحماسية والتأريخية كـ “الساتر الغربي” بشخصية الشيخ مقداد، و”روح” بشخصية قتيبة. وفي مرحلة النضج الأخير والتكريس النقدي عام 2026، شكّل تجسيده لشخصية الرائد نبيل في مسلسل “بيت أم ليلة” محطة فارقة حظيت بإشادة نقدية واسعة، حيث اعتُبر أداؤه ثقلاً أساسياً في البناء الدرامي للعمل بفضل الضبط العالي لملامح الشخصية العسكرية وهيبتها، إلى جانب نجاحات سابقة في شخصية فاروق بمسلسل “الهروب”، ومشاركاته في “بيت الطين” و”سفينة سومر”.
يتميز اشتغال مرتضى حنيص الأدائي بالاعتماد على التقمص الداخلي للشخصية بدلاً من المبالغة الشكلية؛ حيث يطوع نبرة صوته وتعبيراته الدقيقة لخدمة التحولات النفسية للسياسيين، العسكريين، أو أبناء الأزقة الشعبية، ما يمنح أداءه تلقائية تقرّبه من المشاهد وتبرز نضجه الأكاديمي. كما خاض تجربة التقديم الإعلامي عبر برنامج البودكاست “داخل جوادر” لملامسة قضايا الشارع البسيط، معززاً رصيداً يتجاوز 25 عملاً تلفزيونياً وسينمائياً، ومؤكداً التزامه بأخلاقيات الفن ودفاعه عن إحياء السهرات التلفزيونية والحركة المسرحية الرصينة. وبذلك يمثل مرتضى حسن حنيص تجربة متكاملة للفنان الذي يجمع بين الحضور في الشاشة والفكر النقدي، ليثبت أن الفن الملتزم بقضايا الناس والوطن يظل حياً ومتجدداً عبر الأجيال.



