اخر الأخباراوراق المراقب

زيارة الأربعين وتجليات الهداية الإنسانية

باسم حسين الزيدي..

إن الاهتمام الكبير من قبل الأمة الإسلامية وأحرار العالم بأيام شهر محرم الحرام وصفر الخير ليس نتاج اندفاع عاطفي مجرد، بل هو استجابة عميقة لنداء الحق الذي جسدته التضحية الحسينية، إذ تشكل هذه الأيام بيئة روحية وفكرية نموذجية لإعادة ترتيب الأولويات الإنسانية، وتطهير النفوس من أدران المادية المفرطة التي تسيطر على حياة الإنسان المعاصر.

خلال هذين الشهرين، يتحول الفضاء الاجتماعي إلى محراب يجمع بين الحزن والوعي المتجدد. إن استحضار واقعة الطف وما رافقها من مصائب عظيمة، وما تلاها من مواقف بطولة وصمود، هو بمثابة صدمة إيجابية للوعي الجمعي، ليوقظ العقول والقلوب على الحقائق الأساسية للوجود الإنساني في صراع الحق والباطل، والحرية في مقابل الاستعباد، والكرامة في مقابل الذل والهوان. ومن هنا، فإن الأيام المعظمة في هذا الموسم، وفي مقدمتها يوم عاشوراء وأربعينية الإمام الحسين (عليه السلام)، توفر منصة نادرة لتحقيق التزكية النفسية والفكرية.

إن الاستفادة الحقيقية من هذه المحطة الزمنية تتطلب الغوص في مضامينها الفكرية والسلوكية، فالتعبير عن الحزن على سيد الشهداء (عليه السلام) يكتسب قيمته الحضارية الكبرى عندما يُترجم إلى تغيير ملموس في سلوك الإنسان اليومي، وفي تعاطيه مع أسرته ومجتمعه ووطنه. وثمرة هذه الأيام هي التي تصنع إنسانًا متسامحًا مسؤولًا، ينبذ الظلم ويسعى إلى إشاعة السلام وإغاثة الملهوف. وبذلك تتحول الأيام المعظمة إلى زاد روحي وفكري يغذي الأمة على مدار العام.

مرجعية الإصلاح

تستمد النهضة الحسينية مرجعيتها الفكرية مباشرة من النص القرآني ومن النهج النبوي الشريف، حيث تشكل الهداية والإصلاح الجوهر الذي دارت حوله حركة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله). ففي القرآن الكريم تتجلى الهداية بوصفها عملية تحرير شاملة للإنسان من أسر الجهل والغفلة والعبودية لغير الله تعالى، كما في قوله عز وجل: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).

ولم تكن حركة الإمام الحسين (عليه السلام) إلا تطبيقًا واقعيًا لهذا المقصد القرآني، حين أعلن بوضوح أن غايته الأساسية من الخروج هي: “إِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإِصْلاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي، أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ”. إن هذا التصريح الخالد يربط بين الحركة الحسينية والرسالة النبوية ربطًا وجوديًا، ليؤكد أن الإصلاح ليس خيارًا ثانويًا، بل هو واجب ومسؤولية أخلاقية تقع على عاتق كل من ينتمي إلى هذه الأمة.

إن الإصلاح في المنظور القرآني والنبوي ليس مجرد شعار سياسي أو شعيرة مجردة، بل هو سلوك بنيوي يستهدف تقويم الانحرافات الفكرية والأخلاقية والاجتماعية. لقد جاء الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ليقيم دولة الحق والمواطنة القائمة على الكرامة الإنسانية والعدالة المطلقة، متجاوزًا الانتماءات العرقية والطبقية. وعندما انحرفت الأمة عن هذا الصراط المستقيم، جاءت نهضة الطف لتكون الصرخة الحية التي تعيدها إلى مسار الهداية النبوية. وبذلك فإن إحياء ذكرى عاشوراء والأربعين يمثل تجديدًا للالتزام بالدستور القرآني والسنة النبوية في بناء الشخصية الإنسانية المستقيمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى