اخر الأخبارثقافية

«الهروب في اتجاهين».. عندما يصبح الوطن أضيق من الحلم

المراقب العراقي/ د. محمود الهاشمي..

مسرحية «الهروب في اتجاهين».. تضع ظاهرة الهجرة أمام سؤالها الأكثر إيلاماً، لماذا يترك الإنسان وطنه، ومَن الذي يدفعه إلى الرحيل؟.

منذ اللحظات الأولى، لم يحتج العرض إلى كثير من الشرح حتى يصل إلى فكرته الأساسية، هناك إنسان ضاق عليه قميص وطنه، فلم يعد يرى فيه المكان الذي يستطيع أن يحقق فيه حريته أو يؤمّن لنفسه حياة أفضل، فبدأ يبحث عن وطن آخر، أو عن صورة متخيلة لوطن آخر. هنا تختصر المسرحية دوافع الهجرة في مطلبين أساسيين: الحرية، وتحسين مستوى المعيشة.

لكن اللافت أن الكاتب لم يجعل الرغبة في الهجرة مرتبطة بطبقة اجتماعية دون أخرى، أو بفئة محددة من الناس؛ فالمهاجر في هذا العمل يمكن أن يكون عامل نظافة، أو عاملاً في مصنع، أو فلاحاً، أو متعلماً، إنها ليست رغبة فرد معزول عن محيطه، وإنما ظاهرة تتسع لتشمل مجتمعاً بأكمله، بل ربما شعوباً بأكملها.

في منتصف الخشبة، كانت السفينة أكثر من مجرد قطعة ديكور، تحولت إلى رمز مكثف لرحلة آلاف البشر الذين غادروا أوطانهم، ووضعوا أرواحهم في مواجهة البحر، بحثاً عن شاطئ آخر.

تلك السفينة تختصر حكايات كثيرة؛ أناس عبروا ونجوا، وآخرون ابتلعتهم المياه قبل أن يصلوا إلى «العالم الحلم». وبين النجاة والغرق تتوزع حكايات المهاجرين، بما تحمله من خوف وفقدان وأمل وانتظار.

وكان حضور المرأة في العمل استكمالاً لهذه الصورة؛ فهي ليست متفرجة على رحلة الهجرة، وإنما شريكة في تجربتها وأعبائها ومخاطرها، بما تمثله من آلاف النساء اللواتي خضن الطريق نفسه بحثاً عن الأمان والحياة الأفضل.

ومن هنا يخرج السؤال الأول الذي تطرحه مسرحية الدكتور محمد حماد: لماذا نهاجر؟ وما الثمن الذي ندفعه مقابل الهجرة؟.. ثم يأتي السؤال الأشد قسوة: من المسؤول عن أن يصبح الرحيل خياراً، وأن يصبح الوطن مكاناً يرغب الإنسان في مغادرته؟.

لم تتوقف هجرة الإنسان عن أرضه عبر التأريخ، كما لم يتوقف ألم الغربة غير أن للهجرة وجوهاً متعددة، وليس كلها سواء.

فثمة من يهاجر بحثاً عن المعرفة، أو العمل، أو المغامرة، أو فرصة جديدة، لكن أقسى أشكال الهجرة هو أن يُدفع الإنسان إلى مغادرة وطنه دفعاً؛ بفعل القمع والاستبداد، أو الحرب، أو الفقر والعوز، أو انعدام الأمان، أو فقدان الأمل بالمستقبل.

وعندما يصل الإنسان إلى اللحظة التي يرى فيها أن حياته خارج وطنه يمكن أن تكون أفضل من حياته داخله، فإن السؤال لا يعود متعلقاً بالمهاجر وحده، وإنما يتحول إلى سؤال عن الوطن والسلطة والمجتمع والاقتصاد، وعن الأسباب التي جعلت الرحيل أكثر إغراءً من البقاء.

ربما كانت أكثر لحظات المسرحية دلالة تلك التي يجد فيها أحد شخوصها نفسه، رغم وصوله إلى «العالم الحلم» الذي كان يتطلع إليه، لقد تغير المكان، لكن الإنسان لم يتغير.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي تضعها المسرحية أمامنا: هل يستطيع الإنسان أن يهرب من أزمته بمجرد أن يغيّر جغرافيا وجوده؟، قد يصل المهاجر إلى المكان الذي حلم به، لكنه يحمل معه ذاكرته وخوفه وأسئلته وحنينه، وربما يحمل أيضاً الأسباب التي دفعته إلى الرحيل.

ولهذا تبدو عبارة «وجدت نفسي أشبه بنفسي» أكثر من مجرد جملة مسرحية؛ إنها تختصر مأزقاً إنسانياً عميقاً: قد يغادر الإنسان وطنه، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يغادر نفسه.

لست في وارد تقديم قراءة نقدية فنية لمسرحية «الهروب في اتجاهين»، فهذا شأن المختصين في النقد المسرحي، لكن الانطباع الذي خرجت به يشير إلى نص يمتلك حبكة واضحة، وأداء تمثيلياً لافتاً، وتوظيفاً موفقاً لعناصر العرض من الإضاءة والصوت والموسيقى والديكور والأزياء.

غير أن القيمة الأهم في العمل، بالنسبة لي، لا تكمن فقط في الجانب الفني، وإنما في قدرته على نقلنا من مقاعد المتفرجين إلى موقع السؤال.

فنحن أمام أزمة إنسانية كبرى اسمها الهجرة؛ أزمة يغامر فيها الإنسان بحياته، ويضع مستقبله ومصيره في المجهول، أملاً في الوصول إلى حياة أخرى، قد تكون أفضل، وقد تكون مجرد صورة صنعها اليأس.

والأخطر أن كثيراً من المعالجات مازالت عاجزة عن الوصول إلى جذور المشكلة. فكم من إنسان غادر وطنه، وكم من أسرة فقدت أحد أفرادها في طريق الهجرة، وكم من سفينة حملت حلماً وانتهت إلى مأساة؟.

لهذا لا ينبغي أن يبقى موضوع الهجرة أسيراً للأرقام والتقارير والبيانات، بل يحتاج إلى أن يتحول إلى قضية إنسانية حاضرة في المسرح والسينما والتلفزيون والرواية والفنون كافة.

نحن بحاجة إلى أعمال درامية أكثر تحكي ألم المهاجرين، لا لكي تدينهم، وإنما لكي تفهم لماذا غادروا، أعمال تعيد طرح السؤال من جذوره: ما الذي يجعل الإنسان يفضل البحر المجهول على اليابسة التي ولد عليها؟، فالمطلوب ليس أن نمنع الإنسان من الحلم بحياة أفضل، وإنما أن نجعل وطنه قادراً على أن يمنحه تلك الحياة.

عندها فقط قد تتغير المعادلة، فلا تصبح السفينة هي الطريق إلى المستقبل، ولا يكون «العالم الحلم» بالضرورة خلف البحر. وعندها ربما يصبح الوطن مكاناً يمكن للإنسان أن يحلم فيه… لا مكاناً يحلم بالهروب منه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى