السعادة في زيارة الأربعين وخصوصية ارتباطها بالإمام الحسين (ع)

مرتضى معاش..
(اللّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ وَلِيُّكَ وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ الفائِزُ بِكَرامَتِكَ أَكْرَمْتَهُ بالشهادة وَحَبَوْتَهُ بالسعادة وَاجْتَبَيْتَهُ بِطِيبِ الوِلادَةِ).
كل كلمة وردت عن الإمام المعصوم “عليه السلام” تحتاج إلى تأمل عميق، لأنها لا تنحصر في معناها الظاهر والقريب، بل تحمل أبعادًا واسعة ترتبط بحياة الإنسان وسلوكه ومصيره. ومن هنا فإن كلمات زيارة الأربعين ليست مجرد عبارات تقرأ في الزيارة، بل هي كلمات ترسم للإنسان منهجًا في الفهم والحياة، وتفتح أمامه أبوابًا من المعرفة والهداية.
ومن الكلمات العظيمة التي وردت في زيارة الأربعين قول الإمام الصادق “عليه السلام” في وصف الإمام الحسين “عليه السلام”: “اللهم إني أشهد أنه وليك وصفيك وابن صفيك، الفائز بكرامتك، أكرمته بالشهادة، وحبوته بالسعادة، واجتبيته بطيب الولادة”.
وكذلك ورد على لسان الإمام الحسين “عليه السلام” قوله: “إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا”.
وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا قال الإمام الحسين “عليه السلام”، إن الموت سعادة؟ ولماذا اختار هذه الكلمة دون غيرها؟ وما مفهوم السعادة؟ وكيف نفهم قول الإمام الصادق “عليه السلام” في زيارة الأربعين: «وحبوته بالسعادة»؟.
زيارة الأربعين.. مشروع حياة
زيارة الأربعين كما قلنا في مقالات سابقة ليست مجرد مناسبة عابرة، بل هي مدرسة عظيمة. وقد استفدنا من كلماتها الطيبة والرائعة والثمينة، واستخرجنا منها كثيرًا من الكنوز والجواهر العظيمة.
وفي هذا العام أيضًا نحاول أن نستلهم من هذه الكلمات ما يجعلها طريقًا لنا في حياتنا، وننهل منها السعادة والازدهار، لأنها في حقيقتها مشروع حياة.
فزيارة الأربعين لا تعزل الإنسان عن حياته، بل تعيده إلى حياته ببصيرة أوضح، وتمنحه القدرة على أن يراجع مفاهيمه ومواقفه وخياراته. ومن أهم المفاهيم التي تضعها الزيارة أمام الإنسان مفهوم السعادة.
ونحن نتوقف هنا عند قوله “عليه السلام”: «وحبوته بالسعادة»، لكي نفهم ما هي السعادة في واقعها وحقيقتها، وكيف يمكن للإنسان أن يصل إليها؟.
لقد تكلم كثيرون عن السعادة، ووضعت لها تعريفات كثيرة، وصدرت آلاف الكتب التي تتناول مفهومها، ومع ذلك لا يزال السؤال قائمًا: كيف يكون الإنسان سعيدًا في حياته؟ وكيف يعيش مرتاحًا ومطمئنًا؟.
السعادة في معناها اللغوي
السعادة في معناها اللغوي العام هي خلاف الشقاء. والشقاء هو التعب والألم. وعلى هذا يكون معنى السعادة هو الراحة وعدم التعب وعدم الألم، أي الحالة التي تستتبع الاطمئنان والابتعاد عن المشقة. ومن هذا المعنى اللغوي انطلق الباحثون إلى تعريفات كثيرة ومتنوعة، بحسب رؤيتهم للإنسان والحياة.
في الفلسفة اليونانية القديمة ذهبوا الى إن السعادة هي نتيجة العيش وفقًا للفضيلة والعدالة. وقد رأى أرسطو، أن السعادة هي نشاط يعبر عن الفضيلة ويؤدي إلى حياة سعيدة. ولم يجعل السعادة مجرد لذة، كما لم يجعلها فضيلة مجردة، بل عدها ممارسة للفضيلة. فالإنسان وفقًا لهذه الرؤية لا يكون سعيدًا لمجرد حصوله على اللذة، وإنما يكون سعيدًا عندما يمارس الفضيلة ويعيش حياته على أساسها. وهذا يعني أن السعادة ترتبط بنوعية الحياة التي يعيشها الإنسان، وبالقيم التي تتحكم في سلوكه، وبالأفعال التي تصدر عنه.
السعادة في الفلسفة الحديثة وعلم النفس
أما في الفلسفة الحديثة، فقد ظهرت تعريفات أخرى، فهناك من قال: إن السعادة هي الشعور بالسرور والرضا وهناك من عرفها بأنها إحساس داخلي يعكس الشعور بالفرح وجودة الحياة والرضا عنها. كما قيل إن السعادة هي مجموع لحظات الحياة التي يشعر فيها الإنسان باللذة والمتعة، والمتعة هي الحالة التي يشعر فيها الفرد بالاسترخاء وبالابتعاد عن مشاكله.
هل الراحة وحدها تحقق السعادة؟
إذا كان هدف الإنسان هو الراحة في الحياة، فإن أكثر الناس راحة ينبغي أن يكون الإنسان الكسول. فالكسول يبتعد عن ألم العمل، وتعب المسؤولية، لأن العمل والمسؤولية يشتملان على المشقة والألم. ولكننا نجد أن أكثر الناس تعاسة وكآبة قد يكون الكسول، بينما يكون العامل وصاحب المسؤولية أكثر سعادة، مع ما يتحمله من تعب وألم. وهذا يعني أن الراحة ليست هي السعادة بهذا المعنى.
فقد يعيش الإنسان في راحة جسدية، لكنه يشعر بالفراغ والتعاسة. وقد يتحمل إنسان آخر كثيرًا من التعب والمسؤولية، لكنه يشعر بالرضا والامتلاء والسعادة، إذن لا يمكن أن نساوي بين الراحة والسعادة مساواة كاملة.
لماذا لا تمنح اللذة سعادة دائمة؟
كذلك إذا كانت السعادة هي إشباع الشهوات والحصول على ما يرغب به الإنسان، فإن اللذة تنتهي بانتهاء سببها، فالإنسان الذي يأكل طعامًا يشتهيه يشعر باللذة في أثناء الأكل، لكن هذه اللذة تزول بمجرد انتهاء الطعام. فأين تكون السعادة بعد ذلك؟.
ولهذا نرى بعض المدمنين على رغبات معينة يستمرون في طلبها وتكرارها، لأنهم يريدون الوصول إلى مرحلة الإشباع، لكنهم لا يصلون إلى السعادة الحقة.
فاللذة المادية الدنيوية لا تشبع الإنسان، بل قد تجعله يطلب المزيد باستمرار دون أن يصل إلى الاشباع الحقيقي والاكتفاء. ومن هنا يظهر أن السعادة لا يمكن أن تختصر في اللذة المادية ولا في إشباع الرغبات. فالرؤية التي تحصر السعادة في اللذة تنبع غالبًا من ذات الإنسان ومن محورية النفس. فالإنسان يسأل: ماذا يشبع نفسي؟ وماذا يحقق رغبتي؟ وماذا يجعلني أشعر بالمتعة؟.
وهذه الرؤية تؤكد محورية الذات التي تعبر عن الأنانية الضيقة والدنيوية المحضة والمادية البحتة. فالإنسان في هذا الإطار يجعل نفسه مركزًا لكل شيء، ويقيس الأشياء بمقدار ما تحققه له من لذة ومنفعة، ولا ينظر إلى القيم والعواقب ومنافع الآخرين.
السعادة في الرؤية الإسلامية
أما الرؤية الإسلامية فإنها لا تنطلق من ذات منغلقة على نفسها، بل من ذات متفاعلة مع الآخرين، ومتكاملة مع القيم، ومتحركة نحو غايات كبيرة وسامية. فهي لا تحصر الإنسان في حاجاته الصغيرة والضيقة، بل تفتح له أفقًا واسعًا يتصل بالدنيا والآخرة والعاقبة والنجاة.
الرؤية الإسلامية تنظر إلى السعادة ضمن مجموعة من القضايا المترابطة، فهي تنظر إلى الدنيا والآخرة، وإلى الذات وعلاقتها بخارجها، وإلى العمل وعاقبته، وإلى علاقة الإنسان بالله وايمانه الوثيق، وعلاقته بالآخرين واندماجه الإنساني بهم.



