اخر الأخبارثقافية

مكي عمران الخفاجي يُحيل الطفل السومري إلى طبقة أقدم من الذاكرة الحضارية

المراقب العراقي / رحيم يوسف..

لا تمثل تجربة الفنان التشكيلي الدكتور مكي عمران الخفاجي في «بعد حين» تجربة منفصلة عن مشروعه الفني، ولا خروجًا عن عوالمه السابقة، بل تمثل حفرًا أعمق داخلها، ومحاولة للذهاب بالتجربة إلى أقصى مدياتها الجمالية عبر البحث والتقصي. إنها ليست استعادة للماضي بقدر ما هي بحث عما تبقى منه، بعد أن يتحول إلى أثر في الوعي. ومن هنا يتحول السطح التصويري إلى فضاء تتجاور فيه الذاكرة الشخصية مع الذاكرة السومرية والأسطورة والحلم، فيما تتخذ الأشياء هيأة علامات لا تُقرأ سرديًا، وإنما باعتبارها بقايا حضور غائب.

في هذه التجربة يتحسس الفنان الندوب التي تركتها الجروح في روحه، ويعيد صياغتها بصريًا عبر انتقال متدرج من الأثر إلى العلامة، ومن العلامة إلى الصورة.

لا تبحث أعماله عن تمثيل العالم الخارجي كما هو، بل عن استعادة شيء غائب من خلال علاماته وآثاره. فالدمعة، مثلًا، لا تمثل الحزن فقط، وإنما تصبح أثرًا لاتصال مؤقت بين شيئين متباعدين، سرعان ما يعود بعده الجرح إلى الانفتاح.

وتبلغ الصورة ذروتها في قوله: «إلا أن الظفتين، شاهدتان على جرح عميق، حين مرت دموع السماء بأرض يباب». يتحول الوجه هنا إلى أرشيف للجرح؛ فالعينان لا ترويان الحزن فقط، وإنما تشهدان عليه. وهذه النقطة أساسية في القراءة التشكيلية لأعماله، لأن العلامة البصرية يمكن فهمها باعتبارها شاهدًا على الغياب. إنه لا يرسم الجرح نفسه، وإنما يرسم أثر الجرح في الوعي.

أمَّا الزمن، فيظهر في استعارة شديدة الكثافة: «والعمر قارب منخور بالتردد والانتظار». فالعمر هنا ليس خطًا مستقيمًا يقود إلى المستقبل، وإنما قارب متآكل يواصل الإبحار رغم ثقوبه. ويمكن، في هذا السياق، استحضار أفق انتظار يقترب من المناخ العبثي في مسرح يوجين يونسكو، حيث يتخذ الانتظار شكلًا دائريًا لا يقود بالضرورة إلى وصول.

ومن هنا يمكن فهم التكرار، والفراغات، والمساحات المعلقة، والأشكال التي تبدو كأنها تبحث عن مركز ولا تصل إليه، باعتبارها بنيات زمنية داخل اللوحة، لا مجرد حلول شكلية. فالفنان لا يقف خارج الزمن ليرسمه، وإنما يتحرك داخل زمن الانتظار نفسه.ثم تأتي صورة الفنار والبحار: «وهل يكفي البقاء فنارًا في عين بَحَّارٍ أفقدته السنين بوصلة الحنين؟». يصبح الفنان هنا فنارًا، بينما يتحول الآخر إلى بحار تائه. غير أن وجود الفنار لا يعني بالضرورة وصول السفينة. وهكذا يصبح الفن محاولة لإبقاء الضوء قائمًا في مواجهة الغياب؛ فلا يعيد الفن الغائب، لكنه يحفظ إمكانية الوصول إليه من خلال الأثر.

وتتعمق ثنائية الأثر والغياب في استدعاء زليخة ويوسف والقميص. فالقميص ليس تفصيلًا سرديًا، وإنما أثر مادي يحمل حقيقة الغائب، فيما يحيل الطفل السومري إلى طبقة أقدم من الذاكرة الحضارية. أما عبارة «لقاء ترجل من عالم افتراضي» فتفتح التجربة على منطقة ملتبسة بين الحضور والغياب، وبين الحقيقي والمتخيل، بينما تحضر «سكين الزليخات» باعتبارها لحظة انكشاف تقطع وهم الانتظار.

وتبلغ فكرة الأثر ذروتها في استحضار الجيوكوندا ودافنشي. فالسؤال هنا لا يتعلق بالموناليزا وحدها، وإنما بالأثر الذي يتركه الفنان داخل عمله، وبقدرة الصورة على اختزال وجود صاحبها. هل يبقى شيء من الإنسان داخل الصورة؟ أم تتحول الصورة إلى كيان مستقل يحمله الفنان معه بقية العمر؟.

من هنا تتأكد البنية العميقة لتجربة «بعد حين»: الغياب يتحول إلى أثر، والأثر إلى علامة، والعلامة إلى صورة. لذلك لا يرسم الفنان الغائب، وإنما يرسم ما تركه الغياب في الوعي.

وتقوم تجربة مكي عمران على تحويل الذاكرة إلى بنية بصرية حية تتداخل فيها الوجوه والطيور والأسماك والقوارب والنباتات والرموز والأشكال التي تستحضر الموروث الرافديني والمصري والشرقي. غير أن هذه العناصر لا تعود بصورتها التأريخية المباشرة، بل يجري تفكيكها وإعادة تركيبها داخل فضاء معاصر، فتتحول من بقايا تأريخية إلى علامات حية في الوعي.

فالذاكرة هنا ليست أرشيفًا مرتبًا، وإنما شظايا تتجاور وتتداخل وفق منطق الحلم والوعي. ولذلك لا يرسم الفنان الماضي، بل يرسم كيفية بقائه داخل الإنسان. تتحول الوجوه والعيون والأجساد والقارب والشجرة والسمكة إلى علامات تختزن الغياب والانتظار والجرح.

ويكتسب القارب أهمية خاصة باعتباره رمزًا للعبور والرحلة الداخلية، بينما تحيل الشجرة إلى استمرار الحياة وإمكانية إنبات الذاكرة. أما حضور سومر فلا يأتي في صورة موضوع تأريخي أو زخرفي، وإنما كطبقة عميقة من الوعي الحضاري تختلط بعناصر شرقية ومصرية ومتوسطية.

وتقترب بعض العلامات في أعماله من تجربة هنري ميشو، خصوصًا في العلاقة بين الرسم والكتابة، غير أن عمران يضيف إلى هذا المنحى أبعادَ الأسطورة والهوية والذاكرة الحضارية، ليؤسس لغة بصرية تنتمي إلى تجربته الخاصة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى