الجنوب اللبناني.. بين خطاب الضم وصمت الدولة

بقلم: العميد محمد الحسيني..
لم يكن تصريح رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن قرى لبنانية مسيحية وإسلامية طلبت الانضمام إلى إسرائيل أو الخضوع لحمايتها مجرد عبارة عابرة في خطاب سياسي. فحتى لو لم يقدّم أي دليل يثبت صحة هذا الادعاء، فإن أهمية التصريح لا تكمن في صدقيته بقدر ما تكمن في وظيفته السياسية والاستراتيجية.
واللافت أن نتنياهو لم يسمِّ أية قرية أو بلدة، ولم يحدد مواقعها أو يقدم أية وثيقة أو دليل يثبت وجود مثل هذه الطلبات. لكنه في المقابل وسّع دائرة الادعاء لتشمل طوائف متعددة، فزعم أن قرى مسيحية طلبت الانضمام إلى إسرائيل لحمايتها من حزب الله، وأضاف، أن الدروز يطلبون الحماية، وتحدث عن السنة، بل وادعى أن “عدداً غير قليل من المسلمين الشيعة” يريدون تحرير لبنان ويطلبون الحماية أيضاً. إن تعميم الادعاء على معظم المكونات اللبنانية، من دون تسمية أية جهة أو تقديم أي دليل، يجعله خطاباً سياسياً مفتوحاً يصعب التحقق منه، لكنه يحقق هدفاً آخر يتمثل في الإيحاء بأن إسرائيل تحظى بقبول داخل شرائح متنوعة من المجتمع اللبناني.
فالخطاب الذي يزعم وجود رغبة محلية في الانضمام إلى دولة أخرى ليس جديداً في العلاقات الدولية، بل استُخدم تأريخياً كوسيلة لتهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لتقبّل وقائع سياسية وأمنية جديدة، سواء تمثلت في احتلال طويل الأمد، أو إنشاء مناطق عازلة، أو فرض ترتيبات أمنية تتجاوز السيادة الوطنية، أو حتى التمهيد لمشاريع ضم في مراحل لاحقة.
لكن ما يستحق التوقف عنده أيضاً هو أن نتنياهو قدّم إسرائيل بصورة ضمنية على أنها حامية للمسيحيين والأقليات في لبنان. فحين يزعم أن قرى مسيحية طلبت الحماية أو الانضمام إلى إسرائيل، فإنه يرسم صورة توحي بأن المسيحيين يعيشون حالة اضطهاد أو انعدام أمن تجعل إسرائيل ملاذهم الوحيد. وهذه ليست مجرد رواية أمنية، بل محاولة لإعادة إنتاج خطاب قديم يقوم على تقديم إسرائيل باعتبارها الحامي الطبيعي للأقليات في الشرق الأوسط.
ويفتقر هذا الادعاء إلى أي دليل. فلم يقدم نتنياهو ما يثبت أن المسيحيين في لبنان يتعرضون لاضطهاد ممنهج، كما لم تصدر عن المرجعيات الروحية أو الأحزاب المسيحية اللبنانية أي مواقف تؤيد مزاعمه أو تطلب حماية إسرائيل. ومن ثم، فإن تصوير إسرائيل نفسها بوصفها حامية للمسيحيين لا يعكس واقعاً مثبتاً، بل يمثل توظيفاً سياسياً لخطاب حماية الأقليات من أجل إضفاء شرعية أخلاقية على سياسات إسرائيل الإقليمية.
وليس هذا النهج جديداً في السياسة الإسرائيلية، إذ سبق لإسرائيل خلال مراحل مختلفة، ولا سيما أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، أن حاولت تقديم نفسها حليفاً أو حامياً لبعض القوى المسيحية، كما استخدمت خطاب حماية الأقليات في أكثر من ساحة إقليمية. ومن هنا، يمكن فهم استحضار هذه الرواية اليوم بوصفه محاولة لإحياء سردية قديمة تمنح إسرائيل مبرراً سياسياً وأخلاقياً لتوسيع دورها في جنوب لبنان.
ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن اتفاق وقف إطلاق النار والإطار التنفيذي الذي أعقب الحرب الأخيرة، والذي فتح الباب أمام واقع أمني جديد في الجنوب، يقوم على إعادة رسم قواعد الانتشار والرقابة الدولية وتوسيع هامش التدخل الخارجي في إدارة المنطقة الحدودية. ويكتسب خطاب نتنياهو أهمية خاصة لأنه يأتي في مرحلة انتقالية تُعاد فيها صياغة قواعد إدارة الحدود الجنوبية، حيث لا تقتصر المعركة على الانتشار العسكري، بل تمتد إلى تشكيل السردية السياسية التي ستحدد مستقبل المنطقة.
ومن هنا، فإن الحديث عن قرى تطلب الانضمام إلى إسرائيل أو الخضوع لحمايتها يمكن أن يشكل محاولة للتأثير في أي نقاش مستقبلي حول الوضع النهائي للحدود أو طبيعة المنطقة الأمنية، وتحويل الوقائع الأمنية المؤقتة إلى ترتيبات سياسية أكثر ديمومة. فكلما طال أمد هذا الواقع، ازدادت احتمالات تحوله من إجراء مؤقت إلى معادلة دائمة، وهو ما تسعى إسرائيل إليه منذ سنوات.
لكن اللافت أكثر من التصريح نفسه هو الصمت الرسمي اللبناني. فلم يصدر موقف سياسي أو دبلوماسي يتناسب مع خطورة الادعاءات التي تمس وحدة الأراضي اللبنانية والنسيج الوطني، ولم تُبادر الدولة إلى مخاطبة الأمم المتحدة أو الدول الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار والإطار التنفيذي للاعتراض على هذا الخطاب أو المطالبة بإدانته. ويعكس هذا الصمت حالة من العجز السياسي والانقسام الداخلي، ويمنح إسرائيل فرصة لاحتكار السردية أمام المجتمع الدولي.
قد لا يكون قرار ضم الجنوب اللبناني مطروحاً اليوم على جدول الأعمال الرسمي، لكن الخطاب الذي يسبق القرارات غالباً ما يبدأ بصناعة المبررات، ثم اختبار ردود الفعل، ثم تحويل الوقائع الميدانية إلى حقائق سياسية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تصريحات نتنياهو باعتبارها حلقة من حلقات التمهيد السياسي والنفسي لمرحلة قد تسعى فيها إسرائيل إلى تثبيت نفوذ دائم في أجزاء من الجنوب، مستفيدة من الانقسام اللبناني، ومن الصمت الرسمي، ومن الواقع الذي فرضته ترتيبات ما بعد الحرب.



