العلاقات التركية العربية.. آفاق جديدة وقلق إسرائيلي

بقلم: د. كاظم ناصر..
في الوقت الذي تعمل فيه دولة الاحتلال على تهويد الضفة الغربية والقدس وتهجير الفلسطينيين، وتحاول فرض سيطرتها على منطقة الشرق الأوسط وإعادة تشكيل موازين القوى فيها بما يضمن توسيع حدوها ونفوذها، وفي الوقت الذي أظهرت فيه الحروب المستمرة في المنطقة، وآخرها الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران عدم فاعلية تحالف دول المنطقة، خاصة العربية منها، مع الولايات المتحدة والتطبيع والتعاون مع إسرائيل لضمان أمن تلك الدول، تشهد دول المنطقة العربية تقاربا دبلوماسيا وعسكريا واقتصاديا يعكس سياسات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان البراغماتية التي تهدف إلى تطوير العلاقات العربية التركية وتسخيرها لتعزيز مصالح بلاده، والمحافظة على أمن واستقرار المنطقة.
ترتبط تركيا بعلاقات مميزة واستراتيجية مع عدة دول عربية في مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، وتعمل على تعزيز تلك العلاقات مع مصر والسعودية، أكبر قوتين في المنطقة العربية؛ فبالإضافة الى تعزيز علاقاتها السياسية والتجارية معهما، قامت هي ومصر بمناورات جوية مشتركة في الفترة ما بين 4 – 17 يونيو 2026، في عدد من القواعد الجوية المصرية في خطوة تمثل تحولا استراتيجيا لافتا بين الجانبين، والملاحظ ان هذه المناورات جاءت بعد أشهر من تنفيذ البلدين للمناورات البحرية المشتركة” بحر الصداقة ” التي أجريت في سبتمبر 2025 والتي كانت الأول من نوعها منذ 13 عاما.
أما على صعيد علاقاتها مع المملكة العربية السعودية، لا بد من ذكر النجاح التاريخي الذي أحرزته تركيا من خلال إبرام اتفاقية التعاون اللوجستي وبناء السكك الحديدية الضخمة مع المملكة التي وقعها البلدان في التاسع من يونيو/ حزيران من هذا العام لإعادة إحياء خط سكة حديد الحجاز التاريخي لنقل المسافرين والبضائع بينها وبين سوريا والأردن والسعودية وأوروبا.
أحد الدوافع الرئيسية لأردوغان من هذا التقارب يتمثل في رغبة بلاده ببناء استراتيجية إقليمية بالشراكة مع مصر والسعودية وسوريا ولبنان، فقد وصف دمشق وبيروت بأنهما ” شقيقتان لمدن تركية مثل اسطنبول “، وأكد إن أمن بلاده ” يبدأ من دمشق وبيروت”، ويمتد إلى محيطها الإقليمي، وإنه يتماشى مع العقيدة الأمنية التركية التي تقوم على مفهوم ” الدفاع المتقدم “، أي التعامل مع مصادر التهديد خارج الحدود قبل انتقال آثارها إلى الداخل التركي.
فماذا يعني الرئيس التركي بقوله إن أمن بلاده يبدأ من دمشق وبيروت ويمتد إلى محيطها الإقليمي؟ إنه يعني أن الأمن القومي لتركيا واستقرارها يرتبطان عضويا بالأحداث والتهديدات الإسرائيلية لسوريا ولبنان ودول المنطقة، ويشير إلى ” العمق الاستراتيجي ” الذي تتبناه أنقرة والذي يمكن تلخيصه في ثلاثة أبعاد: أولا، اعتبار أن أي فراغ أمني أو تصعيد عسكري في المنطقة الممتدة من حلب ودمشق إلى بيروت يصل أثره المباشر الى الحدود التركية، وثانيا، إن هذا التصريح جاء في سياق تحذيرات شديدة اللهجة ضد السياسات الإسرائيلية في المنطقة، حيث أكد الرئيس التركي أن بلاده تعتبر أمن هذه العواصم جزأ من أمنها، ولن تتغاضى عن أي محاولات لفرض واقع جديد أو تنفيذ أطماع إسرائيل التوسعية وتحقيق أوهام ” أرض الميعاد”، وثالثا، فإن هذا التصريح يشير بوضوح إلى الروابط التاريخية والاجتماعية الوثيقة التي تجمع بين تركيا وبلاد الشام والدول والشعوب العربية الأخرى.
هذا التقارب العربي مع تركيا، الدولة القوية التي تربطها علاقات الدين والثقافة والجوار مع دول وشعوب المنطقة، وتدعم القضية الفلسطينية ستكون له تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية إيجابية على العالم العربي أثارت مخاوف قادة دولة الاحتلال. فخلال الأشهر القليلة الماضية، تصاعدت حدة الخطاب بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مستويات غير مسبوقة، حيث تبادل الطرفان اتهامات مباشرة تتعلق بأمن المنطقة، والشرعية السياسية والأخلاقية وحقوق الشعب الفلسطيني في مشهد يعكس اتساع دائرة الخلاف بين الطرفين، ورعب إسرائيل من أن تزايد النفوذ التركي المدعوم بتوافقات مع دول المنطقة يحد من مشاريعها التوسعية ويقوض خططها لعزل القوى الإقليمية الرئيسية. ولهذا فقد أعرب مسؤولون إسرائيليون عن اعتقادهم بأن تركيا تعد تهديدا أكبر وأكثر خطورة على دولة الاحتلال من إيران لكونها تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي ” الناتو “، وحققت نسبة اكتفاء ذاتي في صناعاتها الدفاعية تقارب 80%.



