اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

أيام عاشوراء تكسر جمود الأسواق وتنعش الحركة التجارية

بعد أشهر من الكساد الاقتصادي


المراقب العراقي / أحمد سعدون..
رغم الأجواء الحزينة التي تخيم على العراق مع حلول شهر محرم الحرام وإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، إلا أن هذا الموسم الديني يتحول سنوياً إلى حراك اقتصادي واجتماعي واسع يُسهم بتنشيط الأسواق المحلية وتحريك عجلة التجارة في مختلف المحافظات لاسيما خلال الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
ويشهد العراق خلال أيام عاشوراء توافد ملايين الزائرين من داخل البلاد وخارجها نحو مدينة كربلاء المقدسة لإحياء ذكرى العاشر من المحرم، فيما تمتد مراسم العزاء إلى جميع المحافظات العراقية التي تكتسي بالسواد وتنتشر فيها الرايات الحسينية ومواكب الخدمة والعزاء في المدن والأحياء والقرى.
وجاء موسم محرم هذا العام في وقت يواجه فيه العراقيون تحديات اقتصادية وضغوطاً معيشية متزايدة نتيجة تراجع الإيرادات النفطية وتأثر الأسواق العالمية بإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، ومع ذلك، لم تمنع هذه الظروف العوائل العراقية من مواصلة تقاليدها الراسخة في إحياء الشعائر الحسينية، حيث واصل المواطنون تقديم الطعام والشراب والخدمات للزائرين بروح من الإيثار والعطاء.
ومع انطلاق الموسم العاشورائي، شهدت الأسواق المحلية حركة ملحوظة بعد أشهر من الركود، إذ ارتفع الطلب على المواد الغذائية واللحوم والحبوب ومستلزمات إعداد وجبات المواكب الحسينية، الأمر الذي أسهم بزيادة النشاط التجاري داخل الأسواق الشعبية والمحال الغذائية والمخازن التجارية.
كما استفادت قطاعات اقتصادية متعددة من هذا النشاط الموسمي، من بينها المطابع وورش التصميم والإعلان التي تتولى طباعة الرايات واللافتات والصور الخاصة بالمناسبات الدينية، فضلاً عن محال الأقمشة والمواد المستخدمة في تجهيز المواكب ومجالس العزاء.
وفي الوقت ذاته، تنشط حركة النقل البري والجوي بشكل كبير خلال هذه الفترة، مع تزايد أعداد المسافرين والزائرين القادمين إلى المدن المقدسة، ما ينعكس إيجاباً على شركات النقل والمطارات والفنادق والأسواق المحلية، ويخلق فرص عمل مؤقتة لآلاف العاملين في مختلف القطاعات الخدمية.
ويرى مختصون للشأن الاقتصادي أن موسم محرم يمثل أحد أبرز المواسم التي تحرك الاقتصاد الشعبي في العراق، إذ تتدفق الأموال داخل الأسواق المحلية عبر الإنفاق على المواكب والخدمات والسلع الاستهلاكية، فضلاً عن دورها الاجتماعي في دعم العوائل المتعففة من خلال موائد الطعام المنتشرة في مختلف المناطق.
كما أكد المختصون أن ملايين الزائرين الذين يقصدون العراق خلال موسمي عاشوراء والأربعين يساهمون أيضاً بزيادة حركة النقد الأجنبي داخل البلاد وتنشيط قطاعات السياحة الدينية والخدمات، ما يجعل هذه المناسبات الدينية ذات أثر اقتصادي ملموس إلى جانب أبعادها العقائدية والإنسانية.
وفي ذات السياق، أكد المهتم بالشأن الاقتصادي ضياء الشريفي في حديث لـ”المراقب العراقي” أن “شهري محرم وصفر يشهدان سنوياً ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على المواد الغذائية ومستلزمات الطبخ التي تعتمد عليها المواكب الحسينية في تقديم خدماتها للزائرين”.
وأضاف أن “حجم الطلب يبدأ بشكل تدريجي خلال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، ثم يتصاعد بصورة أكبر مع اقتراب زيارة الأربعين، ليبلغ ذروته خلال أيام الزيارة المليونية، حيث تمتد مواكب تقديم الطعام والشراب والخدمات لمسافات طويلة على الطرق المؤدية إلى المدن المقدسة”.
وأوضح أن “هذه الحركة تُسهم بشكل مباشر بتحريك عجلة الاقتصاد المحلي وتنشيط الأسواق بمختلف قطاعاتها، فضلاً عن دورها الاجتماعي المهم في دعم العوائل المتعففة وذوي الدخل المحدود، إذ تتكفل آلاف المواكب الحسينية بتوفير وجبات الطعام والشراب والخدمات المجانية لهذه الشرائح طوال فترة الزيارات الدينية”.
وأشار إلى أن “الجانب الأبرز في هذا الحراك الاقتصادي يتمثل في اعتماده على المبادرات الشعبية والتمويل الذاتي، حيث يتبرع المواطنون من أموالهم الخاصة لإقامة المواكب وتجهيزها، في صورة تعكس قيم التكافل والإيثار والتضامن المتجذرة في المجتمع العراقي”.
وبين أن “الجهات الحكومية تؤدي دوراً مكملاً من خلال توفير الخدمات اللوجستية والتنظيمية وتأمين انسيابية حركة الزائرين، بما يُسهم بإنجاح هذه المناسبة المليونية التي تجمع بين البعد الديني والأثر الاقتصادي والاجتماعي”.
وبينما تتواصل التحديات الاقتصادية التي فرضتها المتغيرات الإقليمية والدولية، يثبت العراقيون عاماً بعد آخر أن موسم الإمام الحسين (عليه السلام) لا يقتصر على إحياء الذكرى فحسب، بل يتحول إلى حالة اجتماعية واقتصادية متكاملة، في مشهد يجمع بين الحزن الحسيني والتكافل الإنساني والنشاط الاقتصادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى