الحرب على إيران ومستقبل الحزام والطريق.. هل تعيد الصين رسم خرائط أوراسيا؟

بقلم: د. شاهر الشاهر..
لم تكن الحرب على إيران مجرد أزمة أمنية جديدة في الشرق الأوسط، بل تحولت إلى اختبار استراتيجي لأحد أهم المشاريع الجيواقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وهو مبادرة الحزام والطريق الصينية. فمنذ إطلاق المبادرة عام 2013، راهنت بكين على تحويل شبكات التجارة والبنية التحتية إلى أدوات لتعزيز الترابط الاقتصادي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، انطلاقاً من فرضية مفادها، أن المصالح الاقتصادية المشتركة قادرة على تخفيف أثر التوترات السياسية والصراعات الجيوسياسية، غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الجغرافيا السياسية ما تزال قادرة على تعطيل الجغرافيا الاقتصادية، وأن الممرات التجارية ليست بمنأى عن الحروب والصراعات.
وتكتسب هذه الأزمة أهمية خاصة لأن إيران لا تمثل مجرد دولة تقع على طريق الحزام والطريق، بل تشكل إحدى العقد الجيوسياسية الأساسية التي تربط شرق آسيا بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في إيران لا ينعكس فقط على الاقتصاد الإيراني، بل يمتد أثره إلى كامل الشبكة اللوجستية التي بنت الصين جزءاً مهماً من استراتيجيتها العالمية عليها.
إيران.. أكثر من مجرد محطة عبور في الحزام والطريق
من منظور جغرافي واستراتيجي، تتمتع إيران بموقع يصعب استبداله. فهي تقع عند تقاطع ممرات اقتصادية عدة تربط الصين بتركيا وأوروبا، كما تشكل حلقة وصل بين آسيا الوسطى والخليج العربي والمحيط الهندي. ولهذا السبب احتلت موقعاً متقدماً في الحسابات الصينية منذ السنوات الأولى للمبادرة.
وقد عززت اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الممتدة لـ25 عاماً بين الصين وإيران، والتي قدرت قيمتها بنحو 400 مليار دولار، هذا التصور، حيث نظرت بكين إلى إيران بوصفها شريكاً طويل الأمد ومركزاً لوجستياً رئيساً ضمن شبكات التجارة والطاقة العابرة للقارات.
ولا تقتصر أهمية إيران على النقل البري فقط، بل تمتد إلى قطاع الطاقة. ففي عام 2025 استوردت الصين ما بين 900 ألف و1.4 مليون برميل نفط يومياً من إيران، وفق تقديرات متعددة، ما جعلها أكبر مشترٍ للنفط الإيراني وأحد أهم الشركاء الاقتصاديين لطهران. كما استحوذت الصين على أكثر من 80% من صادرات النفط الإيرانية خلال بعض فترات عام 2025.
لكن الحرب الأخيرة وضعت هذا الرهان أمام تحديات غير مسبوقة. فقد أدى إغلاق أو اضطراب حركة النقل في محيط مضيق هرمز إلى تعطيل جزء مهم من التدفقات التجارية والطاقة، وأجبرت الصين على استخدام مخزوناتها الاستراتيجية التي تقدر بنحو 1.2 إلى 1.3 مليار برميل نفط. كما انخفضت وارداتها النفطية إلى نحو 7.79 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى خلال ثماني سنوات.
صعود الممر الأوسط.. البديل الذي أصبح ضرورة
كشفت الحرب أن أحد أكبر نقاط الضعف في مبادرة الحزام والطريق يتمثل في الاعتماد على عدد محدود من العقد الجغرافية الحساسة. لذلك بدأت بكين منذ سنوات في تعزيز ما يعرف بـ”الممر الأوسط”، الذي يربط الصين بأوروبا عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا وتركيا.
هذا الممر كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره خياراً إضافياً، لكنه بات اليوم يُعامل باعتباره ضرورة استراتيجية لتوزيع المخاطر الجيوسياسية. وقد انعكس ذلك بوضوح في الأرقام؛ إذ ارتفع حجم البضائع المنقولة عبر الممر الأوسط من أقل من مليون طن قبل سبع سنوات إلى نحو 4.5 ملايين طن سنوياً، مع خطط لرفع قدرته الاستيعابية إلى 10 ملايين طن بحلول عام 2027.
وتتمثل الميزة الأساسية لهذا المسار في أنه يتجنب الأراضي الإيرانية والروسية معاً، ويوفر للصين منفذاً إضافياً نحو الأسواق الأوروبية، كما أنه ينسجم مع الجهود التركية لتحويل البلاد إلى مركز رئيسٍ للتجارة بين آسيا وأوروبا.
ومع ذلك، فإن الممر الأوسط لا يستطيع حتى الآن أن يحل محل إيران بالكامل. فعمليات النقل عبر بحر قزوين ترفع التكاليف اللوجستية مقارنة بالطرق البرية المباشرة، كما أن البنية التحتية الحالية ما تزال أقل تطوراً من الشبكات التي تسعى الصين إلى بنائها عبر الأراضي الإيرانية. ولهذا فإن ما يحدث اليوم لا يمثل انتقالاً من إيران إلى تركيا وآسيا الوسطى، بقدر ما يمثل انتقالاً من الاعتماد على ممر واحد إلى استراتيجية تعدد الممرات.
نهاية وهم “فصل الاقتصاد عن الجغرافيا السياسية”
لعل النتيجة الأهم التي أفرزتها الحرب تتجاوز إيران نفسها. فمنذ أكثر من عقد، روّجت الصين لفكرة، أن الترابط الاقتصادي يمكن أن يصبح أساساً للاستقرار الدولي، وأن البنية التحتية والتجارة والاستثمار قادرة على تجاوز الانقسامات السياسية التقليدية، غير أن الأزمة الحالية كشفت حدود هذا الرهان. فالحرب على إيران أظهرت أن الموانئ وخطوط السكك الحديدية وأنابيب الطاقة ليست كيانات اقتصادية محايدة، بل أدوات تتأثر مباشرة بالتوازنات الأمنية والعسكرية، كما أثبتت أن الممرات التجارية العالمية لا يمكن فصلها عن الجغرافيا السياسية، مهما بلغت درجة العولمة الاقتصادية.
ومن المرجح أن تدفع هذه التطورات بكين إلى إعادة صياغة فلسفة الحزام والطريق خلال السنوات المقبلة، فبدلاً من التركيز على بناء ممرات اقتصادية ضخمة تعتمد على عقد جغرافية محددة، قد تتجه الصين نحو نموذج أكثر مرونة يقوم على تنويع المسارات وتوزيع المخاطر وتعزيز القدرة على التكيف مع الأزمات.
رؤية استشرافية
في السنوات الخمس المقبلة، من المرجح أن تتبنى الصين استراتيجية “الحزام والطريق المرن”، القائمة على تشغيل ممرات متوازية بدل الاعتماد على ممر واحد. وسيشهد الممر الأوسط استثمارات متزايدة، كما ستحاول بكين تعزيز الممر الباكستاني وربط شبكات النقل في آسيا الوسطى بصورة أكبر. وفي المقابل، ستسعى إلى الحفاظ على حضورها في إيران تحسباً لأي تحسن مستقبلي في البيئة الأمنية.



