أي شرق أوسط يُصنع بعد هذه الحرب؟

بقلم: ليلى نقولا..
يشكّل دخول اليمن مجدداً في معادلة الحرب الدائرة، واستهداف العمق السعودي، وعودة التهديدات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة، مؤشرات إلى أن المنطقة قد تكون أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. غير أن القراءة التي تختزل هذه التطورات في إطار المواجهة العسكرية المباشرة بين كل من “إسرائيل” والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى تبدو قاصرة عن فهم التحولات التي ستنتج عن هذه الحرب.
لا تُخاض الحروب الكبرى عادةً بسبب النزاعات الآنية التي تبرر اندلاعها، بل كثيراً ما تكون غطاءً لصراعات أعمق تتعلق بتوزيع القوة وتحديد شكل النظام الدولي أو الإقليمي الذي سيليها. وعلى هذا الأساس، تبدو الحرب الجارية حالياً في الشرق الأوسط، أقل ارتباطاً بمسألة البرنامج النووي الإيراني أو بحرية الملاحة في الخليج، وأكثر ارتباطاً بالسؤال: من سيحدد شكل الشرق الأوسط في العقود المقبلة؟
منذ أن بدأت الولايات المتحدة تتحدث عن تقليص انخراطها المباشر في الشرق الأوسط والتركيز بصورة أكبر على احتواء الصين، برز سؤال جوهري حول الجهة القادرة على ملء الفراغ النسبي الذي قد يتركه هذا التحول، وحول من سيملك القدرة على صياغة التوازنات الإقليمية الجديدة.
حالياً، وعلى الرغم من عودة الانخراط الأميركي الفاعل في المنطقة بعد 7 أكتوبر، ثم الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران، فإن المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى صراع على إعادة توزيع الأدوار والنفوذ بين القوى الإقليمية الرئيسة. ومن هذا المنطلق لا تبدو إيران سوى العقدة الأكثر وضوحاً في عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، وبعد صمود إيران وعدم نجاح استراتيجية إقصائها من المشهد الإقليمي، يقف الشرق الأوسط اليوم أمام احتمالين:
–الاحتمال الأول هو تشكل نظام إقليمي تعددي، تتوزع فيه موازين القوة بين مجموعة من الدول الكبرى، بحيث لا تستطيع أي دولة فرض هيمنتها الكاملة على الآخرين. في هذا السيناريو، تحتفظ إيران بدور مؤثر، وتستمر تركيا لاعباً مركزياً، وتكرس السعودية موقعها العربي ، من دون أن تنجح أي من هذه القوى في احتكار قيادة الإقليم.
– الاحتمال الثاني هو ولادة شرق أوسط تهيمن عليه القوى غير العربية. في العقدين الماضيين كانت الدول الثلاث الأكثر قدرة على تحويل قوتها إلى نفوذ إقليمي هي إيران وتركيا. وفي مقابل صعود هذه القوى عانى النظام العربي من أزمات داخلية وانقسامات حدّت من قدرته على الفعل الجماعي. ومن هنا، لا يمكن فصل جزء من الصراع الحالي بين السعودية وجماعة أنصار الله عن مستقبل الإقليم ككل، ومستقبل توازن القوى فيه.
خلال العقود الأخيرة، وبعد تراجع دور القوى العربية المؤثرة، سعت السعودية إلى تقديم نفسها باعتبارها مركز الثقل العربي القادر على الجمع بين الشرعية العربية والقوة الاقتصادية والمكانة الدينية والانفتاح الدولي. وفي الوقت نفسه، حاولت تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، مدركة أن استقرارها الاقتصادي ومشاريعها التنموية الكبرى يتطلبان بيئة إقليمية أقل اضطراباً وأكثر استقراراً.
وفي مرحلة لاحقة، خاصة بعد عام 2021، حاولت السعودية أن تُخرج نفسها من دائرة الصراعات السابقة، وباتت تطمح الى دور أكبر من الإقليم، أي دور “قوة متوسطة” تمتلك القدرات الاقتصادية والمالية لذلك، والرغبة في تنويع الشراكات الدولية، ولعب دور مؤثر في النزاعات العالمية.
أما اليوم، يبدو أن جزءاً مهماً من التجاذب الحالي يمكن فهمه باعتباره صراعاً على موقع السعودية في صراع المحاور. فالولايات المتحدة و”إسرائيل” تسعيان الى أن تكون السعودية ركناً أساسياً في منظومة أمنية إقليمية جديدة ترتبط بالولايات المتحدة و”إسرائيل”، وذلك عبر اتفاقيات تطبيع واتفاقيات أمنية واسعة. بينما هناك مَن يفضل أن تلعب السعودية دور القطب العربي المستقل القادر على التواصل مع جميع الأطراف، بما فيها إيران والصين وروسيا.
وهكذا، تبدو المعركة الجارية، في جوهرها، معركة على مركز الثقل الإقليمي نفسه. ولهذا لا يبدو السؤال الأكثر أهمية هو من سيربح الحرب، بل من سيملك حق تعريف الشرق الأوسط بعدها: هل سنكون أمام نظام إقليمي تعددي تتوازن فيه أدوار السعودية وإيران وتركيا ؟ أم أمام نظام تُحسم فيه موازين القوة لمصلحة محور تقوده القوى غير العربية؟ أم أن السعودية ستتمكن من فرض معادلة ثالثة، تعيد الاعتبار للدور العربي بوصفه ركيزة توازن لا مجرد ساحة تنافس بين الآخرين؟
ولهذا تبدو الحرب، كلما اتسع نطاقها وطالت مدتها، أقرب إلى معركة على إعادة رسم خرائط النفوذ منها إلى مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، فهي أقل ارتباطاً بالماضي وأكثر ارتباطاً بالمستقبل. لم تعد المسألة تقتصر على مصير إيران أو مستقبل محور المقاومة، بل باتت تتعلق بالسؤال الأكبر: من يقود الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة؟ ومن يملك القدرة على تحديد قواعده وتوازناته وصياغة هويته السياسية في العقود القادمة؟.



