مقاطعة انتخابات الكنيست إرادة شعب

زهير حليم أندراوس..
توطئةٌ: لا أنتمي لأيّ حزبٍ أوْ تنظيمٍ أوْ فصيلٍ، لا في فلسطين التأريخيّة ولا في الوطن العربيّ، وما أنشره يُعبِّر عن رأيي الشخصيّ ليس إلّا، وكتاباتي نابعةٌ من اعتباري الإنسانيّة في مُقدّمة سُلّم أولوياتي، وثانيًا انتمائي للأمّة العربيّة، وثالثًا كإنسانٍ فلسطينيٍّ، أعتّز وأفتخر بكوني ابنًا للطبقة الكادحة.
ـ أولاً.. الجنسيّة الإسرائيليّة فُرِضَتْ عليَّ فرضًا، وليس ترفًا، أحملها كيْ أبقى في فلسطين، قابضًا على الجمر من موقعي، ومتشبثًا بأرضي وحجري وبيتي، رغم الظروف الصعبة التي نمُرّ بها. لا أشعر بأيّ انتماءٍ لإسرائيل، لا لعلمها، لا لنشيدها الوطنيّ، ولا لأيّ رمزٍ من رموزها. لا أنسى ما حييت أنّني عايشت الحكم العسكريّ الذي فرضته إسرائيل على عرب الـ 48 من النكبة حتى العام 1966، ولا أقدر أنْ أتجاهل العنصريّة الإسرائيليّة ضدّ كلّ ناطقٍ بالضاد، هذه الظاهرة التي أصبحت اليوم فاشيةً بكلّ ما تحمِل هذه الكلمة من معانٍ.
ـ ثانيًا.. بالمناسبة حكومة نتنياهو ربّما هي الأكثر عنصريّةً وعنجهيةً واستعلاءً واستكبارًا، ولكن البديل، الذي يطرح نفسه، وهو الجنرال المُتقاعِد غادي آيزنكوط، الذي وضع (عقيدة الضاحية)، عندما كان القائد العام لجيش الاحتلال، لا يقّل عنصريّةً عن نتنياهو، فقد أعلن على رؤوس الأشهاد أنّه يُعارِض إقامة دولةٍ فلسطينيّةٍ في الضفة الغربيّة وقطاع غزّة، حتى لو كانت منزوعة السلاح والسيادة، معتبرًا أنّ هذه الخطوة تُمثّل خطرًا استراتيجيًا على إسرائيل. ولم يكتفِ بذلك، فقد أكّد في مقابلاتٍ تلفزيونيّةٍ أُجريتْ معه مؤخرًا أنّه يرفض بأيّ شكلٍ من الأشكال التحالف مع الأحزاب العربيّة، فيما لو تغلّب على نتنياهو، وحصل على تكليفٍ بتشكيل الحكومة.
ـ ثالثًا.. إزاء هذه التطورّات يتحتّم علينا، بعيدًا عن العواطف والعنتريات والشعارات الفضفاضة، أنْ نطرح السؤال المفصليّ: ما جدوى وجود النوّاب العرب في الكنيست الإسرائيليّ؟ لقد أثبتت تجربتنا منذ 78 عامًا أنّ وجودهم في الكنيست من عدمه سِيّان، والنتيجة بعد هذه الفترة الطويلة أنّ العرب في الكنيست لم يُحققوا شيئًا، وتكاد تكون نتيجة “نضالهم البرلمانيّ” (!) تصل بصعوبةٍ بالغةٍ إلى الصفر. وللتذكير فقط، فإنّ قانون القوميّة، الذي يُعتبَر الأكثر فاشيّةً، تمّ سنّه عام 2018 عندما كان عدد النواب العرب 13، ولم يتمكّنوا من منعه، لذا ماذا نعمل في كنيست، يُلزِم مُنتخبيه قبل كلّ شيءٍ بأداء قسم يمين الولاء لإسرائيل، التي قامت على أنقاض شعبنا العربيّ-الفلسطينيّ في أخطر جريمةٍ شهدها التأريخ؟
ـ رابعًا.. ماكينة الدعاية الإسرائيليّة، التي تعمل على مدار الساعة لشيطنة العرب والاستئساد عليهم، يدفعها إلى “استغلال واستثمار” تواجد العرب في الكنيست لتزعم زورًا وبُهتانًا بأنّها دولةً ديمقراطيّةً وتسمح لكلّ “مواطنيها” بالترشّح والانتخاب، وهذا الزعم هو كاذبٌ من ألفه حتى يائه، ذلك أنّ إسرائيل هي ديمقراطيّة لليهود، ويهوديّة للعرب، إنّها دولة جميع فاشييها وعنصرييها وقنّاصيها، وبالتالي، لماذا نمنحها هذه الجائزة المجانيّة؟
ـ خامسًا، السؤال ما العمل؟ يُمكننا كأقليةٍ قوميّةٍ أصلانيةٍ خاضت انتخابات الكنيست منذ العام 1948، التعاضد والتماسك والإعلان عن مقاطعةٍ شاملةٍ وكاملةٍ لانتخابات الكنيست المُقرر أجراؤها في الـ27 من تشرين الأوّل القادم، واستغلال التحوّل في الرأي العّام العالميّ لصالح السرديّة الفلسطينيّة، بالتزامن مع تحوّل إسرائيل إلى دولةٍ منبوذةٍ ومُصابة بالجذام، ولا نُبالِغ البتّة إذا قلنا وفصلنا إنّ الدولة العبريّة ستصِل عاجلاً أمْ أجلاً، إلى وضع جنوب إفريقيا، في زمن نظام العزل العنصريّ، ولذا لم يكُن مفاجئًا بالمرّة أنْ يتحدّث رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، عن تحوّل إسرائيل إلى إسبرطة، أيْ دولةً تعتمِد على نفسها لتصِل للاكتفاء الذاتيّ، ويكون الجيش العمود الفقريّ لهذا الكيان.
ـ سادسا، لا غضاضة بالتذكير بأنّ الترشّح والتصويت للكنيست هو اعترافُ ضمنيٌّ بحقّ إسرائيل بالوجود، وبصورةٍ غيرُ مُباشرةٍ منحها شهادة التأهيل بأنّها ليست كيانًا استعماريًا، مدعومًا من الثالوث غير المُقدّس: الإمبريالية، بقيادة رأس الأفعى أمريكا، الصهيونيّة والرجعيّة العربيّة، التي باتت تُهروِل إلى التطبيع مع إسرائيل، وفي المُقابِل قدّمت وما زالت تُقدّم أبناء الشعب العربيّ- الفلسطينيّ على مذابح السلام أوْ الاستسلام كالأيتام على موائد اللئام، وبالتالي نجزِم، نحنُ الذّين نعيش داخل ما يُطلَق عليه الخّط الأخضر، أنّه لا ناقة لنا ولا بعير في انتخابات كنيست إسرائيل.
أخيرًا، نحن، بناتُ وأبناءُ فلسطين، نعتزّ ونفتخر بالانتماء إلى هذا الشعب العظيم، لأنّنا نؤمن إيمانًا قاطعًا بأنّنا شعبٌ توّاقٌ إلى الحرّيّة، حرّيّة الأرض والإنسان. وكلّ مَنْ يزعم غير ذلك، إنّما يبتعد عن الإنسانيّة ألف سنةٍ ضوئيّةٍ، على الأقل. كما أنّنا لسنا بحاجةٍ إلى شهاداتٍ من أحدٍ لإثبات ذلك.



