عاشوراء.. تأريخ الذاكرة أم ذاكرة التأريخ

حكمت السيد صاحب البخاتي..
ما هو تعريف التأريخ؟ وما حكم صلته بالزمان؟ لقد استندت كل التعريفات للتأريخ الى مفهوم الوقت والحدث واقتران بعضهما ببعض؟.
ينقل صاحب كشف الظنون في تعريف التأريخ (التأريخ في اللغة: تعريف الوقت مطلقا، يقال: أرّخت الكتاب تأريخا، وورخته توريخاً، كما في “الصحاح”. قيل: هو معرب من ماه روز وعرفا: هو تعيين وقت لينسب إليه زمان يأتي عليه، أو مطلقاً يعني: سواء كان ماضياً أو مستقبلاً).
وقيل: (تعريف الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع، من ظهور ملة أو دولة أو أمر هائل من الآثار العلوية والحوادث السفلية مما يندر وقوعه، جعل ذلك مبدأ لمعرفة ما بينه وبين أوقات الحوادث والأمور التي يجب ضبط أوقاتها في مستأنف السنين، وقيل: عدد الأيام والليالي بالنظر إلى ما مضى من السنة والشهر وإلى ما بقي).
وميز حاجي خليفه بينه وبين علم التأريخ في موضوعه، فقال: (وعلم التأريخ: هو معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم ورسومهم وعاداتهم وصنائع أشخاصهم وأنسابهم ووفياتهم إلى غير ذلك)، فالتأريخ حدث وواقعة وعلم التأريخ معرفة وفكر والتأريخ مشترك في التداول بين الناس كأخبار وحكايات وطريقته النقل الشفوي والتواتر الجماعي وهو يحفظ ذاكرة الجماعة وتغرس فيه الهوية بعمق الانتماء، وقد تضفى عليه الروح الملحمية ولغة الأساطير المجازية من أجل ترسيخ قواعد الانتماء وجذور الهوية.
وأما علم التأريخ فهو اختصاص منهجي وتعليمي ويتقنه أهل الاختصاص به وكان في أول أمره حفظاً وتلقيناً، ومع تطور الحضارة صار درساً وتدويناً ثم صار فروعاً وتخصيصاً واتصل بغيره من العلوم اتصال حاجة وضرورة فيه، فكل العلوم تمر على ضفافه وتتزود برحيقه وتشم عبيره.
وتعددت أصناف الباحثين والكاتبين فيه، فمنهم المؤرخون الكبار ومنهم الرواة الاخباريون ومنهم مؤرخو الطبقات ومنهم مؤرخو الوفيات ومنهم مؤرخو الآداب ومنهم مؤرخو الديانات، وتطول قائمة الأصناف من المؤرخين وكل صنف منهم قد اختص بفرع أو علم خاص من علم التأريخ، ثم تطور في الزمن الأخير الى فلاسفة في التأريخ وعلماء أكاديميين لم يتركوا شبرا من الجغرافيا، والتأريخ إلا وحشروا عقولهم وأفكارهم في أحداثه ووقائعه.
ولعل أغنى أمة في العناية بالتأريخ هي أمة الإسلام فلا نكاد نجد إرثا تأريخيا مدونا أو محكيا في الأمم الأخرى يقارن بما عليه أمة الإسلام.
والتأريخ الرسمي أي الذي يدخل في وظيفة علم التأريخ دوّنه وكتبه العلماء في الإسلام من الموسوعيين والحفاظ الألمعيين على اختلاف مذاهبهم وفرقهم، ولكن الصبغة الطاغية عليه هي تأريخ الإسلام والحوادث التي وقعت في أيامه الأولى وما تلاها، وقسموا أصنافها الى المبدأ أو المبتدأ وهو يعني بتأريخ الخلق منذ عصر آدم والأنبياء والملوك، من بعده ثم السيرة وهي تعني بسيرة النبي الأكرم والرسول الأعظم منذ بدء الوحي وما قبله بقليل في ما يخص تأريخ النبي في ولادته وشبابه وبشاراته قبل البعثة ثم تبدأ السيرة مع تأريخ البعثة ونزول الوحي حتى وفاته “صلى الله عليه وآله وسلم”، ثم تأريخ الدول في الإسلام بدء بالخلافة وانتهاء بعصر المؤرخ في الممالك الإسلامية المتأخرة.
وبموازاة ذلك كان هناك تأريخ آخر ترويه العامة من الناس أو حتى النخب من الناس في الإسلام لكنه لا يدخل في سياقات التأريخ الرسمي الذي كان يراعي السلطة أو الانتماء المذهبي وهو ما يصح أن نطلق عليه التأريخ العامي أو الشعبي، وتحتفظ بعض فرق الإسلام الكبرى والمهمة بتأريخ خاص بها ومن خلاله أو من خلال روايته الدائمة والمستمرة تنقض به التأريخ الرسمي الدائر في فلك السلطة والفرق المسيطرة على الدولة والحكم، وهذا التأريخ الخاص يغذي الهوية الخاصة بهذه الفرق ويمنحها فرصة التعبير عن ذاتها وهويتها المقموعة في ظل السلطة السياسية، وهو بهذا يشكل ذاكرة تأريخ أو بالأحرى تأريخ ذاكرة وليس مجرد روي قصصي-تأريخي، وهو يتواشج في كونه تأريخ ذاكرة بروح هذه الجماعة ويشكل أحد أهم عناصر ديمومتها في الصراع من أجل البقاء.
وغالباً ما يقترن هذا التأريخ المقموع رسميا والمتداول شعبيا يقترن بممارسات طقوسية أو تظاهرات اجتماعية تدخل في صميم التقاليد الخاصة بهذه الفرق التي تمارس المقاومة غير المسلحة في سبيل بقائها، فهي تضخ معاني الوجود وتغذي عناصر الهوية بحتمية البقاء والانتصار على محاولات المحو والطمس التي تمارسها قوى القمع السياسي بواسطة أدوات وآليات السلطة، التي تجد في تلك الممارسات تقويضاً لشرعيتها واحتجاجاً سياسياً صامتاً على سلطتها وعلى سياسات القمع والاضطهاد التي تمارسها.
وتتشكل في ممارسات تلك الذاكرة في تمثلها للتأريخ آليات الدفاع عن الذات وبأساليب تدع سياسات السلطة حائرة في كيفية المواجهة والرد، فهي صوت يدوي لكنه بصمت ونشيد يعزف تفاصيل القضية في أصداء اللحن الإنساني، وهو يضمخ مشاعر الإنسان بعطر النبل الإنساني ويدعو الى السؤال لماذا هذا الطقس؟ ولماذا هذا الشعور العابر للزمن؟ ولماذا هذا العزف على أوتار القلوب؟.
وهنا يشرع البحث وإعادة النظر في ما يرويه التأريخ الرسمي أو ما يرويه التاريخ السلطوي المضلل والدؤوب في عملية البتر والاخفاء وذكر نصف الحقيقة دون نصفها الآخر، والأهم في الحدث والواقعة، وهكذا نشأ تأريخ عاشوراء في ظل التأريخ الشعبي وروته مصادر التراث وهي تكمل الحلقات المفقودة في التأريخ الرسمي، فكانت كتب المقاتل وبالكم الهائل الذي أنتجته الذاكرة الشيعية وبعض منه كتبته أقلام سُنية متعاطفة مع ذاكرة تأريخ يمتزج بعطر النبوة ويشم فيه رائحة آل البيت تشكل مصدراً مهماً في تأريخ عاشوراء، كتأريخ شعبي يشتغل خارج إرادة وسياسات السلطة والدولة.
وإذا كان بعض التأريخ الرسمي أو كثير منه قد تعرض الى ذكر واقعة الطف ورواية ما جرى على سبط النبي في أرض كربلاء، فإن رواياته كانت حصراً عن مصادر الشيعة والكوفيين من رجال الشيعة وهي إشارة الى التعتيم المخطط له من جانب المصادر الروائية أو الرواة الآخرين الذين غضوا النظر وتجاهلوا رواية واقعة الطف عمدا، بل عمد البعض منهم الى تصنيفها في دائرة الفتنة أو الدفع عن المتهمين والفاعلين في الجريمة التأريخية الكبرى في قتل وأسر آل النبي، وهو ينزع عن القمع والقسر الفكري الذي مارسته مؤسسات معرفية وأكاديمية في تأريخ الدولة الإسلامية.
وشكلت طقوس عاشوراء ترجمة واقعية عن مجريات الحدث الكربلائي وآثاره النفسية والعاطفية، فضلا عن تأثيراته الفكرية والسياسية في المجتمع الإسلامي، فقد كان حاضرا مقتل الحسين على مر الزمان في العراق بواسطة طقوس عاشوراء لا سيما فيما تضفيه آليات وأساليب، هذه الطقوس التي صارت ومع مرور الزمن تخضع الى نظام من التقاليد والتوجيهات بما يرفعها الى مستوى الفن الاجتماعي والأداء الشعبي المقنن وفق أعراف عاشورائية خاصة، تمكنت من خلالها التحول الى نظام طقسي أو طقس منظم.
وبهذا استطاعت هذه الطقوس أن تعبر عن ذاكرة تأريخ تعرض الى القمع المستمر وبنفس الوقت تعبير عن تأريخ ذاكرة تعرضت وعلى امتداد خط التأريخ الرسمي الى محاولات المحو والاخفاء والاقصاء الى الهامش لكنه برسوخه وبقائه استطاع أن يدخل الى المتن في العالم المعاصر.



