اخر الأخباراوراق المراقب

عاشوراء.. رسالة الحرية والنزاهة وتجديد الوعي

إن الوقوف على عتبات عاشوراء المعظّمة في كل عام، يعبّر عن تجديد العهد بنهضة سيد الشهداء الخالدة عبر الأجيال والأزمان، وعن إيمانٍ راسخ بأن الدموع المنسكبة على مصاب أبي الأحرار (عليه السلام) أسهمت بقدسيتها وعظيم أثرها الروحي والغيبي، في شحذ الضمائر والهمم، وترسيخ قيم هذه النهضة الحسينية في نفوس الأحرار في العالمين الإسلامي والإنساني.

إن الدمعة الحسينية في منطلقها الأصيل هي شرارة وجدانية متقدة، وجسر عاطفي يعبر بالإنسان من ضيق الذات إلى رحابة قيم القضية الحسينية الخالدة، وهي الوسيلة والبوابة الحية التي نطل منها على عالم الوعي والمسؤولية، والعمل المجد من أجل التغيير الشامل والإصلاح الجوهري.

إن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يقدم تلك التضحيات الجسيمة في صحراء كربلاء إلا لكي تتحرر العقول المحجوبة من قيود التضليل والاستسلام والاستعباد، ولتتحول تلك المحطات المأساوية إلى برامج عمل واقعية، ومشاريع إصلاحية مستدامة تصون كرامة الإنسان المهدورة، وتواجه منظومات الفساد والجهل أينما وُجدت وحيثما حلّت.

إن القراءة الحقيقية لعاشوراء الحسين (عليه السلام) تتطلب منا اليوم الاستفادة من شعائر الحزن والولاء الحسيني في بناء وتشييد قيم العدل والحرية والمساواة، ليكون هذا الإحياء الحسيني، إحياءً إنسانياً حضارياً يواجه تحديات العصر بكل شجاعة وموضوعية.

ومن هذا المنطلق نحتاج إلى الاهتمام بمجموعة من الأهداف وتطبيقها في هذه المسيرة الخالدة:

أولاً: نبذ العنف بكل أشكاله وضمان الحريات العامة:

إن جوهر النهضة الحسينية قام على مبدأ الإصلاح السلمي ورفض الإكراه والظلم والتعسف. ومن هذا المنطلق، ندعو إلى تجفيف منابع العنف بجميع أشكاله وصوره، الجسدية والفكرية والسياسية، والعمل على صيانة كرامة الإنسان من خلال كفالة الحريات العامة، ولا سيما حرية التعبير عن الرأي؛ إذ لا يمكن لبناء إنساني أن يستقيم دون بيئة آمنة تضمن لكل فرد حقه الطبيعي في العيش الكريم، والتعبير الحر عن رأيه، وعدم مجابهة هذه الآراء بالعنف والقسوة من قبل الحكومات، ولا سيما الإسلامية منها.

ثانياً: توفير الرفاهية الاقتصادية ومكافحة الفقر:

لقد خرج الإمام الحسين (عليه السلام) طالباً للإصلاح، والإصلاح الشامل يتطلب بالضرورة عدالة اقتصادية تضمن توزيع الثروات ورفع الحيف عن الطبقات المحرومة، إننا نطالب الحكومات وصناع القرار بتبني سياسات تنموية حقيقية تحقق الرفاهية الاقتصادية للشعوب، وتوفر فرص العمل والعيش الرغيد، مؤكدين، أن مكافحة الفقر وسد حاجات المعوزين هي في قلب التكليف الشرعي والإنساني الذي نادت به نهضة كربلاء المقدسة.

ثالثاً: مسؤولية المؤسسة الدينية والخطباء والإعلام:

إن مسؤولية إحياء عاشوراء تقع اليوم على عاتق صناع الوعي؛ لذا نهيب بالمؤسسة الدينية، والخطباء الأفاضل، والمنابر الحسينية والإعلامية والثقافية، ضرورة تقديم الفكر الحسيني بلغة عصرية، جامعة ورصينة، كما يجب أن تركز الخطابة والإعلام على استخراج القيم الإنسانية للنهضة الحسينية، وربطها بقضايا المجتمع المعاصرة، ليكون المنبر الحسيني كما كان دائماً، منطلقاً للوعي والتربية وتوثيق عُرى الوحدة والتآخي بين البشر.

رابعاً: تمكين الشباب وتفعيل أدوارهم:

كان الشباب عماد معركة الطف وسندها وعنفوانها، واليوم هم القوة المحركة للتغيير الإيجابي في الأمة، لذا تدعو المؤسسة إلى فتح الآفاق أمام الطاقات الشبابية، وإشراكهم الفاعل في إدارة المجالس الحسينية والمؤسسات الاجتماعية، وتحصينهم فكرياً وثقافياً لمواجهة تحديات العصر، ليكونوا قادة المستقبل الحاملين لراية الحق والعدل الحسيني.

خامساً: دور المرأة الحسينية ورسالتها القيادية:

إن الحسين (عليه السلام) لم يخرج إلى كربلاء بمفرده، بل كانت المرأة شريكة كاملة في صناعة النصر التأريخي، وتجلت هذه الشراكة في الدور القيادي والإعلامي البطولي للسيدة زينب الكبرى (عليها السلام). إننا نؤكد أهمية تفعيل دور المرأة في المجتمع، وإتاحة المساحات الثقافية والاجتماعية والتربوية لها لتؤدي رسالتها القيادية في بناء الأسرة الواعية والمجتمع الصالح، مستلهمةً ثباتها ووعيها من مدرسة الطف.

سادساً: التكافل الاجتماعي الميداني:

من خلال تحويل المواكب الحسينية المنتشرة في العالم إلى مراكز تكافلية دائمة، تُعنى بإنشاء صناديق لدعم الطلبة، ومساعدة المرضى، وتقديم المساعدات العينية المباشرة، ليكون العزاء الحسيني بلسماً يداوي جراح المحتاجين ميدانياً.

سابعاً: ترسيخ مفهوم المواطنة العادلة وتكافؤ الفرص:

إن مدرسة الطف حطمت الفوارق العرقية والطبقية، فكان بين شهداء كربلاء الشريف والعبد، والعربي والأعجمي، والشيخ الكبير والطفل الرضيع، وقد انصهروا جميعاً في بوتقة الحق. وبناءً على هذا، لذلك لا بدَّ من مكافحة جميع أشكال التمييز الطائفي، والعرقي، والسياسي في بلداننا، وإرساء دعائم مواطنة حقيقية قائمة على الكفاءة وتكافؤ الفرص، حيث يكون مقياس التفاضل هو خدمة المجتمع والالتزام بالقانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى