اجواء الحرب الشاملة في المنطقة تعود من جديد

بقلم: د. سعد ناجي جواد..
عادت اجواء التصعيد الأمريكي والتهديد بحرب شاملة جديدة تخيم من جديد على المنطقة، ولا ندري ان كان ما جرى هو محاولة جديدة من الرئيس ترامب لكي يدعي انتصار زائف قبل الاعلان عن نهاية الحرب، ام انه شعر حقا بانه فشل في مسعاه لإرغام إيران على الاستسلام ويريد ان يحاول مرة اخرى.
ومهما كانت التفسيرات فان في داخل الولايات المتحدة هناك من يفكر بصورة مختلفة. (كل جولة قتال من هذه الحرب التي يفترض انها تضعف إيران العكس هو الذي يحصل. في كل جولة قتال تجري في الشرق الأوسط تخرج إيران أقوى وتلحق هزيمة استراتيجية بالولايات المتحدة وإسرائيل). هذه حقيقة وصل اليها اهم كاتب أمريكي متخصص في شؤون الامن القومي ولديه كتب عديدة في هذا المجال (براندون ج ويشرت، Brandon J Weichert) ولم يكتف الكاتب بهذه المقدمة المثيرة بل أضاف بانه سيكون هناك ثمن باهظ لمغامرة ترامب ونتنياهو الفاشلة ضد إيران، وستترتب على الولايات المتحدة وإسرائيل عواقب جيوسياسية مؤلمة وحقيقية جراء بدء حرب مكلفة خسرها الطرفان على المستوى الاستراتيجي.
ويخلص إلى القول: لهذا السبب، سيتذكر المؤرخون هذا الأسبوع [وعد ترامب بإعلان التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران خلال الايام القليلة القادمة] باعتباره نقطة تحول حاسمة في الحرب. سيشهد النفوذ الأمريكي تراجعًا كبيرًا، مع تلاشي مصداقيته كقوة عسكرية بسبب هذه الحرب. وبغض النظر عما إذا كان ترامب سيتمكن من إعادة فتح مضيق هرمز قريبًا، فإن أضرارًا اقتصادية اضافية جسيمة ستلحق بالبلاد لبقية العام، نتيجة إغلاق المضيق والأضرار التي ألحقتها الحرب بمنشآت إنتاج الطاقة الرئيسية في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ثم أكد ان أيام نتنياهو كرئيس لوزراء إسرائيل باتت معدودة. ومهما يكن مصير إسرائيل، فإن أيامها ستكون أكثر قتامة بسبب القوة التي منحتها الحرب الفاشلة ضد إيران للجمهورية الإسلامية.
طبعا هذا الكلام سيستثير كارهي إيران، واولئك الذين لا يزالون يرددون انها هزمت وعليها الاستسلام. لكن سواء قبلنا بهذه الفرضية او رفضناها فهذه ليست المشكلة، المشكلة او الخطر الحقيقي بالنسبة للدول العربية، خاصة الشرق اوسطية، والخليجية بالذات، انها لا تزال تراهن على دعم الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، على الرغم من تكشف كذب الطرفين وادعائهما بانهما موجودان في المنطقة لحماية العرب من الخطر الإيراني، وان بعض الدول قد تنهار إذا سحبت امريكا دعمها خلا ايام، حسب كلام الرئيس الأمريكي.
لقد ان الأوان لان تعيد الدول العربية حساباتها وبدقة، وتبدأ باعتماد إستراتيجيات جديدة. اهمها إبعاد فكرة ان إيران هي العدو الاول لها. قبل اسبوع كتب اثنان من المحللين الأمريكان مقالة في مجلة السياسية الخارجية بعنوان (كيف اشعلت اتفاقات إبراهام حقبة جديدة من الصراع) قالا فيها: لقد ثبت بما لا يقبل الشك، بعد الحرب على غزة ولبنان واليمن وايران، ان كل عمليات (التطبيع) لم تكن لغرض الدفاع عن الدول المطبعة، وبالتأكيد لم تكن لإيجاد حل لمعاناة الفلسطينيين، ان الهدف الرئيس لهذا التطبيع هو لإقامة قواعد عسكرية اسرائيلية، وتقوية القواعد الأمريكية الموجود أصلا لغرض الهجوم على ايران او لصد هجمات ايران على إسرائيل، ولم تفعل هذه القواعد اي شيء للدفاع عن الدول العربية، ناهيك عن الأموال التي الضخمة التي سلمت للولايات المتحدة وإسرائيل لغرض حمايتهم. (كمثال بسيط على كنه الحماية الأمريكية وفكرة الرئيس الأمريكي عن حلفاءه، قال بعد هجوم إيراني على الكويت في 5 حزيران الماضي ما يلي: شيء لا يصدق، الكويت ضعيفة جدا، اسوأ من السعودية، اعتراض صاروخ مسالة سهلة، خاصة بالأسلحة الدفاعية التي نبيعها لهم، لكنهم اغبياء لا يعرفون كيف يستعملونها)، بعبارة واحدة شتم الكويتيين والسعوديين ونسي ان كل قوة الولايات المتحدة واسرائيل لم تستطع ان تتصدى للصواريخ الإيرانية.
وفي فضيحة جديدة ظهرت مؤخرا ان كوشنر صهر الرئيس ترامب اخذ أكثر مليوني دولار من دولة خليجية ذهب بها مباشرة إلى إسرائيل وأقام مشروعا اقتصاديا هناك، وعندما جوبه بهذه الحقيقة قال المشروع هو لخدمة عملية التطبيع!). امام هذه السياسات والتصرفات المهينة للعرب، والخليجين منهم بالذات، الم يحن الوقت لانتهاج إستراتيجية جديدة، تضع جانبا فكرة الاحتماء بالولايات المتحدة التي لم تجد نفعا؟ واثبتت فشلها سواء عندما هاجمت طائرات الاحتلال قطر او اثناء الحرب على ايران.
الاستراتيجية الجديدة يجب ان تكون مبنية على اتخاذ كل التدابير لجعل حماية امن الخليج من مسؤولية دول المنطقة نفسها، والحل بكلمة اوضح يجب ان يتم بالإعداد لتأسيس حلف عربي إسلامي لحماية الخليج يتكون من دول الخليج اولا وعلى رأسهم الملكة العربية السعودية والعراق وكذلك مصر والأردن، بالإضافة إلى إيران وتركيا وباكستان. هذا الحلف سيكون الأقدر، وفيه من القوى التي تستطيع ان تبدد مخاوف بعض الدول من الهيمنة الإيرانية اولا، وان تستغني عن الحماية الأمريكية والاسرائيلية، والاهم من التكاليف الباهظة التي تستنزفها هذه الحماية الكاذبة والعقيمة. عكس ذلك وكما قال المحلل الأمريكي ان قطار الزمن سيغادر المنطقة العربية وستظهر قوة تهمش دورها وتضعفها أكثر وأكثر. وحتى بالنسبة لهؤلئك الذين يعتقدون، او يأملون ان تخرج اميركا وإسرائيل منتصرين لا سامح الله، فان موقفهم سيزداد ضعفا امام ما ستفعله واشنطن وتل ابيب في المنطقة.
هذا هو الامل الاخير وعسى ان لا يذهب دون اقتناصه وبسرعة.



