اخر الأخباراوراق المراقب

كمال الدين وتمام النعمة بالاستقامة على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام

مرتضى معاش..

الحمد لله الذي جعلنا من المتمسكين بولاية أمير المؤمنين والأئمة المعصومين عليهم السلام، والحمد لله الذي جعل كمال دينه وتمام نعمته ورضاه بالإسلام مقرونًا بولاية علي بن أبي طالب عليه السلام.

 تلك الولاية التي ليست حدثًا عابرًا في التأريخ، ولا عنوانًا مذهبيًا محدودًا، بل هي مفتاح الهداية، وميزان الحق، وطريق الاستقامة، وسرّ بقاء الدين حيًا في ضمير الأمة وحركتها.

إن الآية المباركة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة/3.

تفتح أمامنا أفقًا عميقًا لفهم العلاقة بين ثلاثة معانٍ كبرى: الدين، والنعمة، والولاية. وهذه ليست مفردات منفصلة، بل هي منظومة واحدة، تتساند عناصرها ويتوقف بعضها على بعض. فالدين يكتمل بالولاية، والنعمة تتم بالهداية، والشكر يتحقق بالاستقامة، والاستقامة لا تكون إلا على طريق القيادة التي اختارها الله لحفظ الدين من التحريف، وصيانة الأمة من الضياع.

فالدين في ذاته كامل، لا نقص في تشريعه، ولا خلل في هدايته، ولا قصور في مقاصده. إنما الخلل يقع حين يُفصَل الدين عن قيادته، وتُنتزع الشريعة من مرجعيتها، وتُترك الأمة بلا إمام هادٍ يشرح، ويبين، ويحفظ، ويقود. ومن هنا يُطرح السؤال الجوهري: إذا كان الدين كاملًا، فلماذا نرى التخلف والفساد والشقاء والفقر في حياة المسلمين؟ ولماذا لم تتحول هذه النعمة الكبرى إلى ازدهار وعدالة وطمأنينة؟

الجواب أن المشكلة ليست في الدين، بل في الإنسان الذي لم يحسن الانتفاع بالدين، وليست في النعمة، بل في كفرانها، وليست في الطريق، بل في الانحراف عنه. فالدين الكامل يحتاج إلى قيادة كاملة، والنعمة التامة تحتاج إلى شكر دائم، والشكر الحقيقي يحتاج إلى استقامة عملية على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام.

ولكي يتضح المعنى، يمكن أن نضرب لذلك مثالًا قريبًا: لو أن إنسانًا أخذ سيارة كاملة المواصفات من شركة رصينة، سيارة متقنة لا خلل فيها ولا نقص، ثم سلّمها إلى سائق جاهل لا يعرف القيادة، فاصطدم بها وأتلفها؛ فهل يكون العيب في السيارة أم في السائق؟ لا شك أن الخلل في السائق لا في السيارة. وكذلك الدين؛ هو كامل في ذاته، ولكن الانتفاع به يحتاج إلى قائد ماهر، إلى ولاية هادية، إلى إمام معصوم يعرف الطريق ويهدي إليه.

ومثال آخر: رجل أراد أن يؤسس مشروعًا كبيرًا، فامتلك رأس المال، واستعان بالخبراء، ووضع المخططات، واختار الموقع، وهيأ الأسباب، حتى بدا المشروع مكتملًا من كل جهة. لكنه في النهاية سلّم إدارته إلى شخص غير كفوء، فخسر المشروع وانهار. فالمشكلة هنا ليست في أصل المشروع، ولا في رأس المال، ولا في التخطيط، بل في الإدارة السيئة. وهكذا الأمة حين ابتعدت عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، لم يكن تخلفها ناشئًا من نقص في الدين، بل من سوء القيادة، ومن الانحراف عن الطريق الذي جعله الله امتدادًا للرسالة.

إن الدين ينبوع النعم، ومصدر الازدهار، ومفتاح الهداية، وسبيل السعادة. لكنه لا يتحول إلى حياة عادلة راشدة إلا بقيادة ربانية تحفظ معناه، وتمنع تحريفه، وتكشف مقاصده، وتقود الإنسان إلى العمل به. فالنعمة لا تكفي أن تُعطى، بل لا بد أن تُشكر، والشكر لا يكون لفظًا مجردًا، بل إيمانًا وطاعة وعملًا واستقامة. ومن هنا كان التخلي عن الولاية كفرانًا بأعظم النعم، لأنه تركٌ لمفتاح الهداية، وابتعاد عن السبب الذي تحفظ به النعمة وتستمر.

الغدير بين الرسالة والولاية

إن آية إكمال الدين وتمام النعمة لا تنفصل عن واقعة الغدير، لأن الغدير كان إعلانًا إلهيًا بأن الرسالة لا تُترك بلا امتداد، وأن الدين لا يُسلّم إلى الأهواء، وأن الأمة لا تُهمل بعد رسول الله صلى الله عليه وآله بلا قيادة معصومة.

لقد نزل الأمر الإلهي:

(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).

فكان البلاغ في الغدير إعلان الولاية، حيث جرت عملية الاستلام والتسليم بين الرسالة والولاية؛ فالرسول صلى الله عليه وآله أدّى الرسالة، وأعلن من يحفظها بعده. وليس معنى إكمال الدين أن الحاجة إلى القيادة انتهت، بل معناه أن الدين اكتمل بإعلان القيادة التي تحفظه وتفسر وتمنع عنه عبث المتأولين وانحراف المتسلطين.

فلو لم تكن هناك ولاية، فمن يفسر الدين؟ ومن يبيّن أحكام القرآن؟ ومن يحفظ الشريعة من التحريف؟ ومن يقود الناس إلى الصراط المستقيم؟ إن الأمة لا يمكن أن تُترك بعد النبي بلا وصي، كما لا يمكن لمشروع إلهي عظيم أن يُترك بلا حارس أمين.

وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما دعا الناس إلى علي عليه السلام في غدير خم، وأخذ بيديه فرفعهما حتى نظر الناس إلى بياض إبطي رسول الله صلى الله عليه وآله،

«من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله”

ثم لم يتفرقوا حتى نزلت هذه الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا)

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي.

وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي، وهو اليوم الذي أمرني الله تعالى ذكره فيه بنصب أخي علي بن أبي طالب عليه السلام، عَلَمًا لأمتي يهتدون به من بعدي، وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدين، وأتم على أمتي فيه النعمة، ورضي لهم الإسلام دينًا.

وهذه العبارة النبوية تكشف أن الآية تجمع ثلاث دلالات كبرى:

الأولى: إكمال الدين، أي أن الدين بلغ صورته التامة في التشريع والهداية والقيادة. فليس الدين أحكامًا مبعثرة، بل منظومة كاملة لها إمامها ومرجعيتها وحافظها.

الثانية: إتمام النعمة، أي أن النعمة الإلهية لا تبلغ تمامها إلا بوجود الولاية التي تصون الدين من الانحراف، وتحفظ الأمة من التمزق، وتدلّ الناس على معاني الهداية.

الثالثة: رضا الرب بالإسلام دينًا، أي أن الإسلام الذي ارتضاه الله هو الإسلام المتكامل بالرسالة والولاية، لا الإسلام المنزوع من قيادته، ولا الدين الذي يترك تفسيره لأهواء الناس وسلطات الظلم.

ومن هنا نلاحظ دقة التعبير القرآني: أكملت، أتممت، رضيت. إنها مراتب تأكيدية متتابعة، تكشف أن الولاية ليست إضافة جانبية إلى الدين، بل هي شرط ظهوره الكامل في حياة الأمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى