الإمام الحسين (ع) ومعنى الحياة الطيبة

مرتضى معاش..
(اللّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ وَلِيُّكَ وَصَفِيُّكَ وَابْنُ صَفِيِّكَ الفائِزُ بِكَرامَتِكَ أَكْرَمْتَهُ بالشهادة وَحَبَوْتَهُ بالسعادة وَاجْتَبَيْتَهُ بِطِيبِ الوِلادَةِ).
تفتح عبارة الإمام الصادق “عليه السلام” في زيارة الأربعين، «أكرمته بالشهادة وحبوته بالسعادة» بابًا واسعًا لفهم السعادة في نهج الإمام الحسين “عليه السلام”. وقد تناولنا في المقال الأول السابق بعض معاني هذه الحبوة، فكانت الشهادة من أعظم مراتب الكرامة، وكان بذل المهجة أسمى صور العطاء، وكان الرضا بقضاء الله والتسليم له ثمرة اليقين، كما أصبح “عليه السلام” مصدرًا يستلهم منه الناس الهداية والطمأنينة والقرب من الله تعالى.
وفي هذا المقال الثاني نستكمل هذه المعاني لنتوقف عند هداية الإمام الحسين “عليه السلام” للبشرية، فهو مصباح هدى وسفينة نجاة، ومن يسير في نهجه يجد الطريق الذي يخرجه من الجهالة وحيرة الضلالة. كما نبحث كيف تجسدت في سيرته أسمى معاني السعادة، فأصبح معيارًا يمكن للإنسان أن يراجع على ضوئه فهمه للحياة والموت والراحة والنجاة.
استكمال معاني “وحبوته بالسعادة”
ذكرنا إن عبارة «وحبوته بالسعادة» تحمل مفهومًا كبيرًا وعظيمًا، وتفتح أمام الإنسان أبوابًا واسعة لفهم السعادة في نهج الإمام الحسين “عليه السلام”.
الحبوة هي العطية، والحباء هو العطاء بلا من ولا جزاء. وقيل إن الحبوة هي اللباس الذي يلبسه الإنسان على سبيل العطية. وعلى هذا يكون معنى «وحبوته بالسعادة» أن الله سبحانه وتعالى منح الإمام الحسين “عليه السلام” عطاء السعادة وألبسه لباسها، فكان عطاءً مطلقًا يليق بمقامه وبالكرامة التي نالها وبالعطاء الذي قدمه في سبيل الله تعالى.
وقد ذكرنا، إنه من الممكن أن نستنبط من هذه العبارة معاني كثيرة، لكننا سلطنا الضوء على ستة معانٍ أساسية، تناولنا في المقال السابق أربعة منها، وبقي المعنيان الخامس والسادس اللذان نواصل الحديث عنهما في هذه المقال.
كان المعنى الأول، أن الشهادة في سبيل الله من أعظم الكرامات، ومن أعلى المراتب في الارتقاء إلى السعادة. وهذا المعنى يختلف عن المفهوم السائد عند كثير من الناس، لأنهم ينظرون إلى القتل بوصفه نهاية للحياة، بينما ينظر القرآن الكريم إلى الشهيد على أنه حي عند ربه.
فالشهيد لا تنتهي حياته بالموت، بل ينتقل إلى حياة أخرى عند الله، فيها الرزق والفرح والاستبشار بنعمة الله وفضله. والإمام الحسين “عليه السلام” هو سيد الشهداء، وقد أكرمه الله بهذه الشهادة، فكانت شهادته من أعلى مراتب الكرامة.
وكان المعنى الثاني، أن العطاء الذي بذله الإمام الحسين “عليه السلام” بلغ المرتبة العليا التي لا حدود لها ولا يقدر جزاؤها. فالإمام الحسين “عليه السلام” لم يقدم عطاءً محدودًا، بل بذل مهجته ونفسه في سبيل الله تعالى. وحين يبلغ العطاء هذه المرتبة، يتجاوز الإنسان حدود الأخذ والمصلحة والمنفعة الشخصية، ويصبح وجوده عطاءً للآخرين. وقد بلغت تضحية الإمام الحسين “عليه السلام” هذه المرتبة، لأنها كانت لاستنقاذ عباد الله من الجهالة وحيرة الضلالة.
وكان المعنى الثالث، إن التسليم والرضا بقضاء الله تعالى من أعلى المراتب، وهو جوهر الوصول إلى السعادة. فالرضا والتسليم لا يصدران إلا عن يقين، واليقين هو الانكشاف الكامل والوصول إلى الحقيقة بحيث لا يبقى في قلب الإنسان شك أو تردد. وقد تجسد هذا اليقين في الإمام الحسين “عليه السلام” في أشد اللحظات ألمًا، فقد عاش التسليم لله سبحانه وتعالى، ولم يتغير موقفه ولم يتراجع عن طريقه، فكانت سعادته متصلة بالرضا واليقين، لا بالراحة الجسدية أو الابتعاد عن الألم.
وكان المعنى الرابع، إن الإمام الحسين “عليه السلام” أصبح مصدرًا لسعادة البشرية. فمن يسير على دربه وينهل من منهجه ينال من آثار هذه السعادة بقدر إخلاصه ومعرفته واستقامته. وقد وردت روايات كثيرة في فضل زيارة الإمام الحسين “عليه السلام” وما يناله الزائر في كل خطوة يخطوها. وهذا يكشف أن الارتباط بالإمام الحسين “عليه السلام” ليس مجرد ارتباط عاطفي، بل هو طريق إلى السعادة بما يناله من المغفرة والهداية والطمأنينة والقرب من الله تعالى.
أما المعنى الخامس، فهو أن الإمام الحسين “عليه السلام” مصدر هداية للبشرية من الشقاء والأزمات، فهو سفينة نجاة ومصباح هدى وطريق إلى النجاة.
فالهداية من أهم المعاني التي تكشفها عبارة «وحبوته بالسعادة»، لأن الإنسان الذي يهتدي إلى طريق النجاة يكون قد دخل في طريق السعادة.
الإنسان يعيش أزمات ومشكلات كثيرة، وهذه الأزمات تكون سببًا في تعاسته. وقد يكون سبب ذلك أنه لم يهتدِ في الطريق المستقيم الذي يقوده إلى حقائق الحياة الواضحة التي تمنحه النجاة والطمأنينة. فالضياع في الطريق يؤدي إلى الضياع في الحياة، أما الهداية فتقود الإنسان إلى النجاة.
وقد ورد عن رسول الله “صلى الله عليه وآله” في شأن أهل البيت “عليهم السلام”: “إنما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق”.
وقال “صلى الله عليه وآله”: “النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس”.
فالإنسان حين يركب سفينة الإمام الحسين “عليه السلام” ويدخل في طريقه يهتدي إلى الطريق الصحيح. وهذه السفينة لا تختص بزمن معين ولا بمكان معين، بل هي سفينة للناس جميعًا وفي كل الأزمنة.
وجاء التعبير «مصباح هدى وسفينة نجاة» بصيغة مطلقة، فالإمام الحسين “عليه السلام” مصباح ينير الطريق، وسفينة تحمل الإنسان من بحر الحيرة والضلال إلى شاطئ النجاة.
الإنسان التعيس هو الذي يعيش في الظلام والحيرة والشك، لأنه لا يعرف أين يسير ولا إلى أين يصل. أما نور الإمام الحسين “عليه السلام” فإنه يكشف له الطريق ويخرجه من الجهالة وحيرة الضلالة، فيدخله باب السعادة الواسع.
ولهذا ورد في زيارة الأربعين: “وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة”.
إن البكاء على الإمام الحسين “عليه السلام” كرامة كبيرة وطريق من طرق الهداية، لأنه يفتح قلب الإنسان ويزيل عنه القسوة. فالإنسان يضل حين يقسو قلبه. وكلما ارتكب الذنوب والمعاصي دخلت آثارها إلى قلبه وتراكمت فيه حتى حجبت عنه نور الهداية.
وورد عن الإمام الصادق “عليه السلام”: “من ذكرنا عنده ففاضت عيناه، ولو مثل جناح الذباب، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر”.
وهذا يبين أن حضور أهل البيت “عليهم السلام” في قلب الإنسان طريق لبنائه وهدايته. فالذي يسير في طريق الإمام الحسين “عليه السلام” لا يضل، لأن هذا النهج يصنع في داخله وعيًا ورقة والتزامًا، ويمنعه من الاستمرار في المعصية والانحراف.
وهداية الإمام الحسين “عليه السلام” ليست هداية مؤقتة، بل هي مستمرة إلى الأبد. فكلما مر الزمن تجدد ذكره، وكبر أثره واتسعت دائرته، لأن البشرية كلما ازدادت أزماتها عرفت أنها تحتاج إلى طريق ينقذها من الضياع.
إن الناس الذين يبحثون عن السعادة، لا يجدون طريقها إلا من خلال الهداية. ولهذا فإن ذكره لا يضعف بمرور الزمن، بل يتجدد وينمو. فالبشرية ترى فيه منقذًا، وترى في طريقه معنى يمكن أن يعيد لها القيم والاستقامة والنجاة، وبالتالي العبور من الشقاء إلى الطمأنينة.



