اخر الأخبارثقافية

“مذكّرات خاتون كرخية” مزيج بين اليوميات الشخصية والرواية الاجتماعية

المراقب العراقي/ قاسم المشكور..

“مذكّرات خاتون كرخية” سرد يمزج بين اليوميات الشخصية والرواية الاجتماعية، كما ان المكان في هذه الرواية يحمل خصوصية محلية، مثلما هو مكان ليس صامتا ولا ساكنا أو لا يعبر عن أية رؤية مشهدية.

وقيمة المكان في رواية الروائي خضير فليح الزيدي “مذكرات خاتون كرخية”، من أنّه ربط ربطًا محكمًا ومباشرًا، حد الوثاقة بين المكان وبين الشخصيات داخل جسد الرواية بعلاقة حميمية خالصة، فالزيدي لم يقدم الإنسان في الرواية مجرّدًا، بوصفه مجموعة من الأفكار والتصورات والحاجات، بل قدمه بوصفه كائنًا متآلفًا مع روح المكان عينه، علاقة جدلية بين المكان والمكين.

المكان في هذه الرواية يحمل خصوصية محلية، مثلما هو مكان ليس صامتا ولا ساكنا، أو لا يعبر عن أية رؤية مشهدية، فالمكان هنا يتصل مباشرةٍ بجوهر العلاقات الاجتماعية داخل مساحة السرد.  فالزيدي بالإضافة إلى دقة ملاحظته عن تفاصيل المكان، فانه أجاد التعبير عنه بطريقة رسم الصورة الذهنية التي تبعث في الإنسان الشجون بل يتنفس القارئ عطر المكان ذاته، إذ جاءت السردية الحكائية على هذا النحو تحديدا، لكن هناك أمراً ملحّاً، وهو، كيف أصبحت الصورة في هذه الرواية جاذبة إلى هذا الحد؟.

والجواب، أن الزيدي أودع في سرده الروائي، خاصية (تعليق القراءة) من قبل القارئ، وأعني بخاصية التعليق، هو أن يقطع القارئ مواصلته القراءة، ويبدأ تذكر مكاناته الأليفة، وما كان لهذا أن يحصل لولا براعة الزيدي في وصف تلك الأمكنة بكل ما تحمل من تجليات بذاكرة حيّة تحيل إلى القارئ حتى رائحة تلك الأمكنة، بعد أن قام بمزجه مع سردية الحدث المتحرك أفقيا، الأمر الذي منح القارئ فرصة لاستعادة ذكرياته القديمة، كما فعل، حيث يقول: (قبل أن تحضر الخاتون إلى مكان الجلسة، كنت منشغلا بتفقد الأشياء الغريبة المعلقة على حيطان غرفة استقبال الضيوف) ص122 من الرواية.

في تصوري، أن الزيدي جنى من وراء هذا التوصيف شيئين، الأول، أنَّ الزيدي، اعتبر المكان جذراً من جذور الذاكرة، أما الشيء الثاني، فهو انه حصر اتصال القارئ بالرواية بالصور الفنية، وبالتالي ربط القارئ بتصوراته ومرجعياته عن تلك الأمكنة عبر هذه الصور الفنية.

الروائي المجيد هو في الأصل قارئ عظيم، ولا أقصد بالقراءة الانخراط في التهام الكتب، بل أقصد، أن لديه قدرة على اختراق رغبة القارئ فيما يطلبه، وأظن أن الزيدي لديه مثل هذه الملكة، عبر وسيلة تكييف خياله الخصب، على أنه منفتح على كل زوايا وأركان المكان الذي يتوّجه لتوصيفه بصيغة فانية عالية الدقة والإدهاش.

في “مذكرات خاتون كرخية” نستعيد محاولة سابقة للكاتب ذاته في سبيل الظفر بالحكاية الأصلية، كما لو أن الرواية، في تعريف متأخر، هي مجموعة محاولات سابقة، أو لاحقة، للوصول إلى الصيغة المنصفة للكاتب ومخيلته، أولا، وللقراء المفترضين من بعد، ثانيا، سوى أن رواية الملك في بجامته تناقش موضوعا وحكاية تستحق الكتابة والمغامرة وهذا خلاف حال “مذكرات خاتون كرخية” الموزعة بين عالمين متناحرين أحدهما عن الآخر، حتى كأن {المذكرات} تحكي قصتين مستقلتين عن بعض، قصة الكاتب {المغمور} ومخطوطة روايته غير المكتملة، وقصة الخاتون الكرخية. لنبدأ الصياغات المتعارضة من الحجم الفعلي للقصتين في الرواية وصفحاتها. 

وتأتي الرواية ضمن إطار سردي يمزج بين اليوميات الشخصية والرواية الاجتماعية، معتمدًا على أسلوب المذكرات لبناء عوالم داخلية مليئة بالتحولات والأحداث.

ويتناول الزيدي عبر شخصية (الخاتون) تجربة أنثى تتقاطع فيها الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجمعية لمدينة بغداد.

وقد اعتمد الزيدي، في عمله الجديد على التقطيع السردي المتنوع، مازجاً بين الحكايات الذاتية والمشاهد التي تمت استعادتها من الذاكرة، مثل (صفحة الوفيات وباب الكهف ومذكّرات النوم وباب الروشن وماء غريب وزجاجة العمر وعقدة الأجداد والفرصة الذهبية ولقاء الخاتون) وغيرها من فصول الرواية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى