اخر الأخباراراء

كيف تحوّل “الشرق الأوسط” في استراتيجية كوريا الجنوبية بعد الحرب على إيران؟

بقلم: تمارا برو
لم تكن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من توترات غير مسبوقة في مضيق هرمز، مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل مثّلت اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصادات الآسيوية على التعامل مع الاضطرابات الجيوسياسية. وكانت كوريا الجنوبية من أكثر الدول التي تابعت تطورات الأزمة من كثب، ليس لأنها طرف في الصراع، إنما بسبب اعتمادها الكبير على واردات الطاقة القادمة من الخليج، وارتباط اقتصادها الصناعي باستقرار طرق التجارة البحرية التي تربط “الشرق الأوسط” بشرقي آسيا.
وعلى الرغم من أن العلاقات الكورية الجنوبية مع “الشرق الأوسط” ارتبطت تاريخياً بالنفط والغاز، فإن تداعيات الحرب على إيران كشفت أن أهمية المنطقة بالنسبة إلى سيؤول أصبحت أوسع بكثير من تأمين إمدادات الطاقة؛ فقد دفعت أزمة مضيق هرمز صانعي القرار في كوريا الجنوبية إلى إعادة تقييم موقع “الشرق الأوسط” ضمن استراتيجية الأمن الاقتصادي، وسلامة سلاسل الإمداد، وأمن الملاحة البحرية، فضلاً عن فرص الاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار التي قد تنشأ في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي الوقت نفسه، فرضت التطورات الإقليمية على سيؤول معادلة أكثر تعقيداً في إدارة علاقاتها مع أطراف المنطقة. فمن جهة، تسعى إلى الحفاظ على شراكاتها الاستراتيجية مع دول الخليج، التي تمثل مصدراً رئيسياً للطاقة وفرصاً استثمارية متنامية. ومن جهة أخرى، تدرك أن مستقبل الاستقرار الإقليمي يرتبط أيضاً بمسار العلاقة مع إيران، التي لا تزال لاعباً مؤثراً في أمن الخليج والممرات البحرية.
وانطلاقاً من هذه التحولات، لم يعد السؤال المطروح هو مدى حاجة كوريا الجنوبية إلى “الشرق الأوسط”، بل كيف ستعيد صياغة استراتيجيتها في منطقة باتت تمثل، في آن واحد، مصدراً للطاقة، وسوقاً للتكنولوجيا والاستثمار، وساحة لإعادة الإعمار، ومحوراً رئيسياً في التنافس الجيوسياسي العالمي.
أمن الطاقة وسلاسل الإمداد
لقد أظهرت أزمة مضيق هرمز أن مفهوم الأمن الاقتصادي في كوريا الجنوبية لم يعد يقتصر على حماية الأسواق أو تعزيز الصادرات، بل أصبح يشمل تأمين وصول الطاقة والمواد الخام، وضمان استمرار انسياب التجارة البحرية، وحماية سلاسل التوريد من الصدمات الجيوسياسية.
وقد دفع ذلك صانعي القرار في سيؤول إلى إعادة النظر في السياسات المتعلقة بالاحتياطيات الاستراتيجية للطاقة، وتسريع خطط تنويع مصادر الاستيراد، وزيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة والهيدروجين، إلى جانب توسيع التعاون مع الدول المنتجة للطاقة في الخليج، فقد سارعت سيؤول إلى تعزيز تفاهماتها طويلة الأجل مع السعودية والإمارات لضمان استقرار إمدادات النفط، وتعزيز التخزين الاستراتيجي، وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي والصناعات البتروكيميائية.
واتفقت سيؤول، مؤخراً، مع شركة “أدنوك” الإماراتية على تعزيز أمن سلاسل إمداد النفط، وآليات الاستجابة للطوارئ، والتخزين المشترك، بما يعكس انتقال العلاقة من مجرد تجارة في الطاقة إلى شراكة في إدارة المخاطر الاستراتيجية.
كما كشفت الاضطرابات في “الشرق الأوسط” أن أمن الطاقة لا يتحقق فقط بحماية خطوط الملاحة، إنما أيضاً بوجود منطقة أكثر استقراراً وقدرة على جذب الاستثمارات. ومن هنا، بدأت تتبلور في سيؤول رؤية مختلفة، تقوم على أن مرحلة ما بعد الحرب قد تحمل فرصة اقتصادية لا تقل أهمية عن التحديات الأمنية التي فرضتها الحرب نفسها.
من إعادة الإعمار إلى إعادة تشكيل الاقتصاد
ولا يتعلق الأمر بإعادة إعمار المباني التي تضررت من الحرب فحسب، بل بإعادة تشكيل الاقتصاد الإقليمي بأكمله. فدول الخليج تمضي أصلاً في تنفيذ مشاريع عملاقة ضمن خطط التنويع الاقتصادي، بينما قد تدخل إيران، إذا أفضت التسويات السياسية إلى تخفيف القيود الاقتصادية وانفتاحها مجدداً على الأسواق العالمية، مرحلة واسعة من تحديث البنية التحتية والصناعة والطاقة والنقل.
وفي مثل هذا السيناريو، لن يكون السؤال بالنسبة إلى كوريا الجنوبية: كيف تؤمّن وارداتها النفطية؟ بل: كيف تضمن لنفسها موقعاً متقدماً في أكبر دورة استثمارية قد يشهدها “الشرق الأوسط” منذ عقود؟
ولم يعد مفهوم إعادة الإعمار يعني إعادة بناء ما تضرر فحسب، بل أصبح يشمل إعادة تصميم البنية التحتية بما يجعلها أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. لذلك، قد تتجه دول الخليج في المرحلة المقبلة إلى دمج تقنيات الأمن السيبراني والحماية الرقمية في مشاريع الطاقة، وشبكات النقل، والمدن الذكية، وزيادة مخزوناتها من النفط والغاز.
ويعكس هذا التوجه انتقال المنطقة من مرحلة التعافي بعد الحرب إلى مرحلة بناء منظومة متكاملة للأمن الاقتصادي، يكون هدفها حماية الاقتصاد الوطني، وضمان استمرار تدفق التجارة والطاقة حتى في أوقات الأزمات.

من هذا المنطلق، تبدو إعادة الاستثمار في المنطقة، وليس فقط إعادة الإعمار، أحد أهم ملامح الاستراتيجية الكورية الجديدة، فالشركات الكورية الجنوبية تمتلك خبرة واسعة في بناء المصافي، ومحطات الكهرباء، والموانئ، وشبكات السكك الحديدية، والصناعات البتروكيميائية، والمدن الذكية، وأشباه الموصلات، والهيدروجين الأخضر، والتكنولوجيا الرقمية، والأمن السيبراني.
وهذه القطاعات هي نفسها التي تحتاج إليها دول الخليج في المرحلة المقبلة لتعزيز اقتصادات ما بعد النفط ومواجهة التحديات المستقبلية، وقد تحتاج إليها إيران أيضاً إذا شهدت انفتاحاً اقتصادياً جديداً.
الشركات الكورية، مثل “هيونداي للهندسة والإنشاءات” و”سامسونغ للهندسة” و”دايو للهندسة والإنشاءات”، تتمتع بخبرة طويلة في تنفيذ مشاريع كبرى في دول الخليج، وهو ما يمنحها أفضلية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار والتحديث التي ستشهدها المنطقة خلال السنوات المقبلة، غير أن الفرصة الحقيقية لا تكمن في إعادة بناء المنشآت المتضررة فحسب، بل في الإسهام في إنشاء بنية تحتية أكثر تطوراً وقدرة على مواجهة الأزمات، من خلال دمج التقنيات الرقمية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وإدارة المدن الذكية.
“الدبلوماسية الاقتصادية” الكورية
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة، لأن كوريا الجنوبية ليست لاعباً جيوسياسياً تقليدياً في “الشرق الأوسط”، فهي لا تمتلك قواعد عسكرية واسعة، ولا تسعى إلى منافسة الولايات المتحدة أو الصين على النفوذ الأمني، إنما تعتمد على ما يمكن وصفه بـ”الدبلوماسية الاقتصادية”، أي توظيف التكنولوجيا والاستثمار والقدرات الصناعية لبناء نفوذ طويل الأمد، بعيداً عن الاستقطابات السياسية الحادة.
لكن التحدي الأكبر أمام سيؤول لا يكمن في المنافسة الاقتصادية فحسب، بل في كيفية إدارة التوازن بين أطراف متنافسة. فقد نجحت كوريا الجنوبية، خلال العقود الماضية، في بناء علاقات قوية مع السعودية والإمارات وقطر والكويت. وفي الوقت نفسه حافظت، كلما سمحت الظروف، على قنوات تعاون مع إيران، التي كانت قبل تشديد العقوبات الأميركية أحد أهم موردي النفط إلى كوريا الجنوبية.
وإذا تغيرت البيئة السياسية خلال السنوات المقبلة، فقد تجد سيؤول نفسها أمام فرصة لإحياء هذا التوازن، بما يسمح لها بالاستفادة من السوقين الخليجية والإيرانية معاً، من دون الانحياز الكامل إلى أحدهما.
وإذا كانت سيؤول تتمتع بعلاقات قوية مع دول الخليج، التي أبرمت معها اتفاقات طويلة الأجل، وأقامت شراكة استراتيجية خاصة مع الإمارات، فإن مستقبل حضورها في إيران سيظل مرتبطاً بالمسار السياسي.
وإذا قادت التسويات المستقبلية إلى تخفيف العقوبات وفتح المجال أمام الاستثمارات الأجنبية، فمن المرجح أن تكون الشركات الكورية من بين الجهات الساعية إلى العودة، مستفيدةً من خبرتها السابقة في السوق الإيرانية واحتياجاتها الضخمة إلى تحديث البنية التحتية والصناعة والطاقة.
أما إذا استمرت القيود والعقوبات، فستظل هذه الفرصة مؤجلة، مع تركيز سيؤول بصورة أكبر على دول الخليج التي تواصل تنفيذ مشاريعها التنموية بوتيرة متسارعة.
سباق اقتصادي عالمي
وقد تتحول المنافسة على “الشرق الأوسط”، بعد استقرار الأوضاع، إلى سباق اقتصادي عالمي. فالصين ستسعى إلى توسيع حضورها عبر مبادرة “الحزام والطريق”، والولايات المتحدة ستعمل على تعزيز نفوذ شركاتها وحلفائها، بينما ستبحث اليابان والاتحاد الأوروبي عن فرص جديدة في البنية التحتية والطاقة النظيفة.
أما كوريا الجنوبية، فمن المرجح أن تراهن على ميزتها التنافسية القائمة على الجودة والابتكار وسرعة الإنجاز، وهو ما منح شركاتها مكانة بارزة في مشاريع “الشرق الأوسط” خلال العقود الماضية.
في المحصلة، كشفت الحرب على إيران أن “الشرق الأوسط” لم يعد بالنسبة إلى كوريا الجنوبية مجرد مصدر للطاقة، بل أصبح جزءاً من أمنها الاقتصادي والاستراتيجي. وإذا كان مضيق هرمز عنوان المرحلة الأولى من الأزمة، فإن إعادة الإعمار قد تكون بوابة المرحلة المقبلة، حيث تتحول المشاركة في استقرار المنطقة إلى أداة لتعزيز الحضور الكوري وبناء نفوذ طويل الأمد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى