عيد الأضحى المبارك.. عيد المعرفة والإيمان

محمد علي جواد تقي..
“يا ربِّ! بِكَ عَرفتُكَ وأَنتَ دَلَلْتني عَليكَ، و دَعَوتَني إليكَ، وَلولا أنتَ لَمْ أدرِ مَا أنتَ”.
من دعاء الإمام زين العابدين، عليه السلام، أملاه على أبي حمزة الثمالي
في صبيحة يوم العاشر من شهر ذي الحجة الحرام، حيث يتمّ حجاج بيت الله الحرام أعمال النحر والحلق ورمي الجمرات، يحلّون ضيوفاً على المائدة الرحمانية؛ مائدة عيد الأضحى المبارك، ومن تلك البقاع المشرّفة تشرق أشعة الايمان على بقاع الأرض، ليشتركوا مع المتواجدين في الديار المقدسة، وتحديداً في منطقة “مِنى” هذا اليوم، باستشعار الرحمة الإلهية، فهو –تبارك وتعالى- أهل العفو والرحمة، وأهل التقوى والمغفرة.
ومن أجل تحقيق هذا الاستشعار لابد من معرفة المنظومة الدينية كاملة والتي تدرس في المدارس الدينية تحت عنوان “علم العقائد”، فمن لم يلمس كأس الماء البارد، كيف يستشعر برودته؟ أو من يجهل فنون الحياة الزوجية والأسرية –مثلاً- كيف له أن يستشعر السعادة داخل جدران بيته وبين افراد عائلته؟
آلية الوصول هي المنطلق
عكف الفلاسفة منذ قرون بعيدة من خلال التفكّر والتأمّل للإجابة على عديد الأسئلة التي حيّرت البشر، فمن هو الانسان؟ وما علّة وجوده؟ ومن خالقه وخالق الكون والحياة؟ ثم ما هو مصيره بعد الموت؟! وكانت الأجوبة في ردهات “الموزيوم” باليونان القديمة، وتعني اليوم “المتحف”، تحمل كلاماً مذهلاً لا يصدر إلا من حكيم عليم وسط ظلام الجهل المطبق آنذاك، فالحكمة –قبل العلم- كان مقتصرة على شريحة محددة، فعندما قال افلاطون بوجود عالم المُثل الى جانب عالم المادة لدى المخلوقات، وأن “لكل موجود جوهري، ولكل نوع من الأنواع ربّاً له هو المسمى برب النوع، وأن الإنسان صورة مجردة لرب في عالم الإله، كما للبقر والدجاج، والنباتات ربٌ في عالم الإله”.
إنما مشكلة الفلاسفة، وايضاً بعض أرباب علم الكلام في الأزمنة الإسلامية سلوكهم طريق المعرفة بتجزئة هذه المعرفة، ربما لسهولة الوصول وتحقيق النتائج بشكل أسرع وتقديمها للناس على أنها هي الحقيقة،فغاصوا في مبحث “الوجود” ولم يخرجوا منه حتى اليوم، بينما منهج الفكر الإسلامي يدعونا الى سبيلين للمعرفة؛ الأول: المعرفة الشمولية والمتكاملة غير المنقوصة، فعندما نريد أن نعرف الإسلام، علينا أن نعرفه من كل جوانبه ومنظوماته القيمية والأحكامية والآدابية، و أي تغييب لجانب ما، يخلق لدينا ثغرات معرفية، ونقاط فراغ يعشعش فيها التشكيك والاستفهامات التي مانزال نعاني منها، لأن المعرفة غير الكاملة تؤدي بنا الى التطبيق غير الكامل، والمعرفة غير الكاملة بالله –تعالى- تجعلنا بعيدين عنه، وعن غايته من خلقنا.
أما السبيل الثاني، وهو محور مقالنا؛ فهي المعرفة التي يمكن وصفها بـ “المعرفة المباشرة”، وهذا ما غاب عن ذهن الكثير من الباحثين عن الحقيقة، فهم أرادوا معرفة الانسان والخالق –بداية- بواسطة خيالهم وتصوراتهم الذهنية، ثم جاء من يطمح الى معرفة حقائق الحياة بواسطة الحواس، او العقل، وهو الخطأ الذي وقع فيه ايضاً بعض علماء المسلمين ممن قرأوا القرآن الكريم وحفظوه على ظهر القلب منذ طفولتهم، فأرادوا فهم القرآن من خلال عقولهم ومداركهم الخاصة، فخرجوا بنظريات وأفكار تتقاطع مع القرآن الكريم نفسه، او لا تعبر –في أحسن الفروض- عن حقيقة المقاصد الموجودة في الكتاب المجيد، كما جاء في محاججة الإمام العسكري لفيلسوف ذلك الزمان؛ إسحاق بن يعقوب الكندي، وكان عالماً نحريراً في الرياضيات والطب وعلوم عدّة، وكان يزمع تأليف كتاب في تناقضات القرآن الكريم! فأرسل اليه، عليه السلام، من يسأله –أحد تلامذته- بأن “إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت إليها؟ فإنه سيقول لك: إنه من الجائز، لأنه رجلٌ يفهم إذا سمع. فإذا أوجب ذلك فقل له: فما يُدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه ، فتكون واضعاً لغير معانيه”! وهو تحذير رقيق وغير مباشر من مغبة تفسير القرآن بالرأي الشخصي. ويقول الشيخ علي الكوراني في مؤلفه “الامام الحسن العسكري والد الامام المهدي”، إن الكندي وبعد أن عرف هوية صاحب هذا السؤال العلمي البارع، قال: “ما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت، ثم دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألفه”.
من هنا جاءت التوصيات الوافرة من الأئمة المعصومين، عليهم السلام، بالآلية السليمة والدقيقة لمعرفة الله -تعالى- من خلال آثاره في الحياة، ومن خلال صفاته؛ “الخالق لا يوصف إلا بما وصف به نفسه”، يقول الامام الرضا، عليه السلام، ولعل أدقّ وابلغ تعبير عن المعرفة الإلهية نسمعها من أمير المؤمنين، عليه السلام: عندما سأله أحد اصحابه، واسمه: “ذعلب اليماني”: بأن ” هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟! قال: أَفأَعْبُدُ مَا لا أَرَى؟ قال: وكيف تراه؟ قال: لا تُدْرِكُهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَلكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الإِيمَانِ، قَرِيبٌ مِنَ الأَشْيَاءِ غَيْرُ مُلاَمِسٍ، بَعِيدٌ مِنْهَا غَيْرُ مُبَايِنٍ، مُتَكَلِّمٌ بِلاَ رَوِيَّةٍ، مُرِيدٌ بِلَا هِمَّةٍ، صَانِعٌ لا بِجَارِحَةٍ، لَطِيفٌ لايُوصَفُ بِالْـخَفَاءِ، كَبِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْجَفَاءِ، بَصِيرٌ لا يُوصَفُ بِالْـحَاسَّةِ، رَحِيمٌ لا يُوصَفُ بِالرِّقَّةِ، تَعْنُو الْوُجُوهُ لِعَظَمَتِهِ، وَتَجِبُ الْقُلُوبُ مِنْ مَخَافَتِهِ”.
وكذا الحال بالنسبة للقرآن الكريم الذي يدعونا أن نفهمه من خلاله هو لا بوسيلة أخرى بعيدة عن روحه وأجوائه، وثمة آيات قرآنية يمكن فهمها وتفسيرها من خلال آيات أخرى وبكل سهولة، مثال الآية التي تتحدث عن القيادة، وهي المسألة المثيرة للجدل على مر التاريخ، وقد احتدت وتأزمت في فكر المسلمين، تقول الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُم}، هنا تحيّر المسلمون عمن هو المقصود ب “أولي الأمر”؟ وبسبب حمّى التنافس على السلطة والحكم فإن تفسير “وعاظ السلاطين” بأن المقصود هم الحكام بالمطلق، فأي حاكم تتوفر عنده شروط القوة العسكرية والمالية والفكرية يجب أن يُطاع دون غيره تحت حدّ السيف والرصاص، بينما بقراءة متأنّية لآيات أخرى في الكتاب المجيد نجد الآية الكريمة ترشدنا الى هوية “الولي” والقائد الحقيقي للأمة: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}، وقد أجمعت طائفة من المؤرخين والمحدثين على أن قصة إعطاء الخاتم للفقير أثناء الصلاة تعود الى أمير المؤمني،، عليه السلام.
وينسحب الأمر على سيرة الأئمة المعصومين، وايضاً؛ رسول الله، وابنته الصديقة الزهراء، وما نقرأ من سيرتهم وكلامهم، فاذا لا نكون تلاميذ في مدرسة القرآن الكريم والعترة الطاهرة، والعقيدة بشكل عام، لن نخرج بنتيجة ايجابية حسنة.
“اللّهمُ اجْعَلني أخشَاك كأنّي أراك”
هكذا يخاطب الامام الحسين، عليه السلام، ربه في دعائه العظيم يوم عرفة، وهي دعوة لنا بأن نستحضر الحواس الخمس، والعقل، والفطرة، والعاطفة، لتكون على أهبة الاستعداد لمعرفة مصيرية حاسمة تجعل النفس البشرية مطمئنة الى الأبد بأنها لن تضل الطريق ولن تؤدي بصاحبها الى الخسران والندم والدواهي في الحياة الدنيا، والخسران يوم القيامة.
فالانسان المادي المخلوق من الطين، ينزع طول حياته الى ما هو مادي ملموس ليكون على معرفة به، وفي بعض الأحيان يشعر بالضجر والكسل ثم القلق من طول المسافة للوصول الى الحقيقة، مع ضغوط وجهود يبذلها مع نفسه ورغباته، فالانسان الذي يعرف ربه، سيعرف ماذا يريد منه، رغم أن النواهي والزواجر قليلة جداً في الشريعة قياساً بالمباحات وحرية التصرف في الحياة، لكن هذه هي مشكلة البعض ممن يدعي العلم والمعرفة وهو يغفل عن عقدة التسرّع والعجلة في صياغة المنظومة المعرفية لديه، فيدعي أنه يعلم ويعرف كل شيء، بينما طريقة تعامله مع الآخرين تكشف عن خطل هذا التصور، فهو يظلم، ويُفسد، ويكون سبباً في تضليل الناس، وهذا ما سقط فيه؛ ليس اشخاص عاديون، بل علماء وحكماء كبار عبر التاريخ.
وفي مدرسة الامام الحسين، عليه السلام، ونحن نعيش رحاب يوم عرفة، نراه يحلّق الى الأعالي في ظهيرة هذا اليوم العظيم في دعائه مبتدءاً بالحمد والتسبيح والشكر لله –تعالى- على نِعم لا حدّ لها ولا حساب يذكر بعضها في تفاصيل جسم الانسان، ثم تقول الرواية التي ينقلها الشيخ القمّي –رضوان الله عليه- في مفاتيحه: “ثم اندفع في المسألة واجتهد في الدعاء وقال، وعيناه سالتا دموعاً: اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك، واسعدني بتقواك ولا تشقني بمعصيتك”، وهي من الأدعية الجديرة للغاية بالقراءة في ظهيرة اليوم التاسع من ذي الحجة الحرام، لما تتضمن من معارف جمّة، وقد جعلها الامام الحسين –حسب قراءتي- على قسمين؛ الاول: خصصه لمعرفة الخالق وشكره وحمده، والقسم الثاني: خصصه لنفسه، ولنفس كل انسان مؤمن، فقد أحكم الربط بين مشاعر الانسان وحواسه ومداركه، وبين الإيمان بالله –تعالى-: ” يا مَن سَتَرَني مِنَ الآباءِ وَالاُمَّهاتِ أن يَزجُروني وَمِنَ العَشائِرِ وَالإخوانِ أن يُعَيِّروني وَمِنَ السَّلاطينِ أن يُعاقِبوني، وَلَو اطَّلَعوا يا مَولايَ عَلى ما اطَّلَعتَ عَلَيهِ مِنّي إذاً ما أنظَروني وَلَرَفَضوني وَقَطَعوني، فَها أنا ذا يا إلهي بَينَ يَدَيكَ يا سَيِّدي خاضِعٌ ذَليلٌ حَصيرٌ حَقيرٌ لا ذو بَراءَةٍ فَأعتَذِرُ وَلا ذو قوَّةٍ فَأنتَصِرُ وَلا حُجَّةٍ فَاحتَجُّ بِها وَلا قائِلٌ لَم اجتَرِح وَلَم أعمَل سوءاً، وَما عَسى الجُحودُ وَلَو جَحَدتُ يا مَولايَ يَنفَعُني كَيفَ وَأنَّى ذلِكَ وَجَوارِحي كُلُّها شاهِدَةٌ عَلَيَّ بِما قَد عَمِلتُ وَعَلِمتُ يَقيناً غَيرَ ذي شَكٍّ أنَّكَ سائِلي مِن عَظائِمِ الاُمورِ”
هنا يقفز السؤال الكبير والمصيري: كيف يمكننا تشغيل آلية الوصول للمعرفة والإيمان؟
إن الإسلام في الوقت الذي يبين مفاصل العقيدة من؛ توحيد، ومعاد، ونبوة، وإمامة، فانه يذكر الانسان ايضاً بمواهب إلهية عظيمة أبرزها؛ الحرية والإرادة: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}، فلا جَبر ولا قهر بالموضوع مطلقاً، إنما يحتاج الأمر خطوتين؛ الأولى قدمٌ على الشهوة بقوة العقل، والثانية هو في قلب الإيمان، لأن “العقل والشهوة ضدان، ومؤيد العقل العلم، ومزيّن الشهوة الهوى، والنفس متنازعة بينهما فأيهما قهر كانت الى جانبه”، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام.
هذه العملية بإمكان كل انسان في هذه الحياة القيام بها لو حسم أمره، واتخذ قراره النهائي والصادق بالتسليم المطلق لقيم الحق ونداء الفطرة التي فطر الله الناس عليها.



