الإمام الجواد “ع” وشجاعة القائد الشاب

محمد علي جواد تقي..
تَولِّي القيادة الدينية أو السياسية يحتاج الى جملة مواصفات تُمكِّن صاحبها من تحقيق النجاح في هذه المرتبة العليا في التصنيف الاجتماعي، منها؛ الجرأة في القيادة السياسية، والشجاعة في القيادة الدينية، ففي عالم السياسة تسبق الجرأة الشجاعة للحاجة الى التعامل السريع والحازم مع المعارضين، وسحق العقبات في طريق الوصول الى القمة، ثم اتخاذ قرارات من شأنها ضمان الفترة الأطول في هذه القمة مهما كانت بشاعة الوسائل، وما إذا كانت تتخللها دماء وانتهاكات لحقوق آخرين وما الى ذلك، بينما في القيادة الدينية تلجم الشجاعة الجرأة، وتضبط أي حركة لتجاوز الحدود لتحقيق رغبات نفسية للتفوق والتسلّط، وفي نفس الوقت تمنح صاحبها الثقة بالنفس لأداء دور رسالي ذي أبعاد حضارية.
وفي ذكرى استشهاد الإمام محمد بن علي الجواد، عليهما السلام، نستلهم عبرة واحدة من حياة الإمام التاسع من أئمة الهدى، وهي شجاعته في تولّي الإمامة وقيادة الأمة وهو ابن تسع سنين بوجود علماء وفقهاء من أسرته العلوية، في مقدمتهم؛ علي بن الامام جعفر الصادق، عليه السلام، وكان رجلاً كبير السنّ وعالماً مهاباً في الوسط الشيعي، وكان عم والد الإمام الجواد، الى جانب المناخ السياسي المشحون عداءً ضد التشيع، ومحاولة العباسيين عبثاً، تطويق دائرة الاشعاع الثقافي للإمام الرضا في الأمة بعد استشهاده في خراسان.
الغيب والقدرات الذاتية
كتب الباحثون كثيراً حول القدرات الغيبية للأئمة المعصومين، عليهم السلام، ومن قبلهم؛ رسول الله، صلى الله عليه وآله، كما بحثوا في دور هذه القدرات غير الطبيعية في إمامة الإمام الجواد، وأن شخصيته القيادية الناجحة جاءت بفضل رعاية الغيب، علماً أن هذه الرعاية الإلهية رافقت المسيرة الرسالية منذ بعثة النبي الأكرم رسولاً من عنده –عزّوجلّ- ثم في سيرة حياة أمير المؤمنين مع الصِّدِّيقة الزهراء، وفي حياة الأئمة المعصومين، وفي نفس الوقت رافق هذه المسيرة؛ قانون السبب والمُسبب في الحياة، وهي السنّة التي أقرّها لله –تعالى- في حياتنا، فالغيب –مثلاً- كان في يد الإمام الحسين عندما كشف عن منازل أصحابه في الجنة وهم وقوف على رمال كربلاء، وقبل لحظات من انطلاق المعركة واستشهادهم جميعاً، بيد أنه لم يستعِنْ بقوة الغيب هذه حتى لا يتعرض للضرب بالسيوف، والإصابة الدقيقة بسهم في قلبه، ثم قتله بتلك الطريقة المفجعة.
الحكمة الإلهية اقتضت أن تسبق القدرات الذاتية للإنسان، القدرات الغيبية، فهو أشرف الخلائق، ويمتلك أعظم القدرات أبرزها؛ العقل، والحواس، والمشاعر، والإرادة، وهي الحقيقة التي كشفها الله –تعالى- للملائكة في بدء الخليقة، لا ليقنعهم –وفق الحوار القرآني- وإنما ليبين لنا فلسفة وجود الانسان و دوره في الحياة، فهو يكون مسدداً بالغيب والقدرة الإلهية عندما تتوفر عنده الشروط والمواصفات المتفرعة من حكمة وجوده بالأساس {لِيَعْبُدونِ}، مع ذلك؛ تبقى سنّة البلاء والاختبار للخلق حقيقة قائمة لا تتغيّر ابداً، وأن الغيب لن يخلق واقعاً مادياً وملموساً في الحياة.
نقرأ في مطلع دعاء النُدبة في الحديث عن أولياء الله المُخلَصِين، “إذ اخْتَرتَ لهُم جَزيلَ مَا عِندَكَ مِن النَعيمِ المُقيم الذي لا زَوالَ لَهَ ولا اضمحلال، بعد أن شَرطتَ عليهم الزُهدَ في درجات هذه الدُنيا الدَنيّة وزُخرفها وزِبْرجها، فشرطوا لك ذلك، وعَلِمت منهُم الوفاء به فقبِلتَهم وقربتهم وقدّمتَ لهم الذِكرَ العَلّي والثناء الجلّي، وأهبطتَ عَليهِم ملائِكَتِك وكرّمتَهم بوحيك ورَفدْتهم بعلمك”. فالأنبياء والمرسلون والأولياء الصالحون لم يصلوا الى مراتبهم إلا بمواصفات توفرت لديهم بداية، وهي تطويع النفس؛ “إنما نفسي أروضها بالتقوى”، يقول أمير المؤمنين، عليه السلام، فعندما توفرت الشروط، مع التحقق الإلهي من الوفاء بها كاملة، كان التقريب والرعاية الاستثنائية بأن يجعل الملائكة في خدمتهم، الى جانب الرفد العلمي الخاص.
وبالتأكيد فإن الإمام الجواد كان على خطى جدّه أمير المؤمنين في صياغة شخصيته القيادية بنفسه، وأكد هذه الحقيقة للتأريخ في قصته مع المأمون العباسي في المدينة عندما كان الامام واقفاً مع عدد من الصبيان، وكان في الطريق موكب المأمون مع عدد من الفرسان فتفرق الصبيان فوراً بينما بقي الامام الجواد في مكانه رغم تعالي الغبار و ضجيج الفرسان، فسأله المأمون عن سبب عدم التحاقه بأترابه، فأجاب: “لا أخشى على نفسي بشيء منك لأني لم ارتكب ما يدعوني للهرب –مضمون الرواية-، فسأل عنه فقيل إنه ابن الرضا، عليه السلام، ولعل هذا الموقف هو الذي دعا المأمون لأن يتخذ قراره، ليس بتقريب الإمام الجواد الى البلاط بالمصاهرة، كما قرّب أباه الإمام الرضا من خلال فرض منصب ولاية العهد عليه، وإنما لمحاولة استيعابه والسيطرة عليه، وعدم تركه يمارس دوره القيادي في الأمة بهذه الشجاعة الاستثنائية.
الشجاعة في قول الحق
شاب في سن العشرين يجلس بين علماء وفقهاء في بغداد بحضور المعتصم العباسي، وقد جاء سارق مُقِرٌ على نفسه بالمعصية ويريد تطهيره بالحدّ، فسأل العلماء الموجودين، كلٌ أجاب بشيء ثم يسألهم المعتصم عن الحجة، منهم من قال: من الكرسوع، متذرعاً بقوله تعالى في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوجُوهِكُم وأَيدِيكُم}، وقال آخرون من المرفق، لقوله تعالى: {وأيَدِيكُم اِلى المَرافِق} في الوضوء، ثم التفت الى الامام الجواد، وقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟! فحاول الإمام عدم إثارة القوم لعلمه بجهلهم بالأحكام وبعدهم عن الصواب، فقال: قد تكلم القوم فيه، ثم ألحّ عليه المعتصم، فقال، عليه السلام، أعفني عن هذا! فأصرَّ بالقسم الغليظ فأجاب: أما إذا أقسمت عليّ بالله فإني اقول إنهم أخطأوا فيه السُنّة، فإن القطع يجب أن يكون مفصل الاصابع ويُترك الكف، قال: وما الحجة في ذلك؟ قال، عليه السلام: قول رسول الله: “السجود الى سبعة أعضاء: الوجه، واليدين، والركبتين، والرجلين”، فإذا قطعت يده من الكرسوع او المرفق لم يبقَ به يد يسجد عليها، ثم تلا الامام قوله –تعالى-: {وإنَّ المَسَاجِدَ لِله}، وهي المساجد التي يسجد عليها المصلي، وما كان لله لا يُقطع.
هذا الحضور المتميز والموقف الشجاع من الامام الجواد هو الذي دفع أحد أشباه العلماء في المجلس لأن يكيد له، عليه السلام، بمكيدة عند المعتصم ويختلق له تهمة “محاولة الانقلاب” كما هو المتعارف عليه حتى اليوم، فكانت النهاية السعيدة للإمام الجواد بالاستشهاد بالسمّ في ساحة المواجهة الصامتة مع المعتصم والدولة العباسية برمتها، علماً أن رواية أخرى غير هذه الراوية المعتمدة لدى صاحب “بحار الأنوار”، توجه أصابع الاتهام الى زوجة الإمام، ابنت المأمون بتنفيذ جريمة الاغتيال، إنما القولان يجتمعان عند قرار المعتصم العباسي نفسه في قراره البائس بمحاولة تصفية الإمام الجواد جسدياً.
وسوى هذا الموقف البطولي للإمام الجواد، بل سبقته نجاحات في مجالس عدّة منها ما كان في عهد المأمون عندما أرادت الأسرة العباسية اختبار علميته قبل الموافقة على مصاهرته، وكان السؤال الذي وجهه اليه من كان يُسمى بـ “الأعلم” بين فقهاء البلاط آنذاك؛ يحيى بن أكثم، “عن مُحرمٍ قتل صيداً أثناء الحج”، وكان ذلك الجواب المفصّل والمُذهل الذي يرويه التأريخ للأجيال لتعرف كيف يكون القائد الناجح في أقسى الظروف السياسية والاجتماعية وهو في ريعان شبابه.



