اراء

حين يلتقي الداخل مع الخارج على استهداف المقاومة

بقلم: منير شحادة..

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يتقدّم مسار التفاوض المباشر تحت ضغط النار بين لبنان و”إسرائيل” بوصفه أكثر من مجرد نقاش تقني حول الحدود أو ترتيبات أمنية، فما يجري في العمق هو محاولة لإعادة صياغة المشهد اللبناني الداخلي، عبر دفع السلطة أو جزء منها إلى التماهي، ولو تدريجيًا، مع أهداف العدو نفسه، وفي مقدمتها نزع سلاح حزب الله.

هذا المسار لا يمكن قراءته بمعزل عن الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة، التي لا تكتفي برعاية التفاوض، بل تسعى إلى توجيهه نحو نتائج تتجاوز تثبيت الحدود إلى إعادة تعريف موازين القوة داخل لبنان، غير أن الأخطر في هذه المعادلة لا يكمن فقط في الضغط الخارجي، بل في استعداد بعض القوى اللبنانية، داخل السلطة وخارجها، للانخراط في هذا المسار إلى حد يلامس التواطؤ السياسي.

هنا، لا يعود الحديث عن اختلاف في وجهات النظر أو مقاربات سياسية متباينة، بل عن انزلاق بعض الأطراف إلى خطاب وسلوك يلتقي موضوعيًا مع الطرح “الإسرائيلي”. فحين يُختزل النقاش الداخلي إلى أولوية نزع سلاح المقاومة، بمعزل عن أي سياق سيادي أو دفاعي، في ظل قصف وتدمير همجي “إسرائيلي”، وحين يُعاد إنتاج هذا الطرح تحت عناوين “بناء الدولة” و”الشرعية الدولية”، يصبح من المشروع التساؤل: أين تنتهي السياسة وأين يبدأ التماهي مع أجندة الخارج؟.

التأريخ اللبناني لا يرحم في هذا السياق. ففي اجتياح لبنان عام 1982، لم يكن التدخل “الإسرائيلي” معزولًا عن بيئة داخلية مهّدت له سياسيًا وإعلاميًا، بل واعتبرته بعض القوى آنذاك “فرصة” لإعادة ترتيب الداخل اللبناني.

اليوم، تتكرر الملامح نفسها، وإن بأدوات مختلفة: فبدل الدبابات، هناك مفاوضات وضغوط دولية، وبدل الشعارات المباشرة، هناك خطاب “سيادي” يُستخدم بشكل انتقائي لتبرير استهداف طرف لبناني بعينه.

إن خطورة هذا المسار تكمن في كونه يفتح الباب أمام تحويل الصراع الداخلي إلى امتداد للصراع مع “إسرائيل”، ولكن هذه المرة من داخل المؤسسات نفسها. فحين تلتقي إرادة خارجية مع استعداد داخلي، يصبح المشروع أكثر قابلية للانفجار، لا عبر المواجهة العسكرية فقط، بل عبر تفكيك عناصر القوة من الداخل وتأجيج الصراع الداخلي.

لا يعني ذلك إنكار وجود أزمة حقيقية في بنية الدولة اللبنانية أو الحاجة إلى نقاش جدي حول السلاح ودور المؤسسات. لكن تحويل هذا النقاش إلى أداة ضغط خارجي أو منصة لتصفية حسابات داخلية، يفرغه من مضمونه الوطني ويحوّله إلى ورقة في لعبة إقليمية أكبر من لبنان نفسه.

بعض القوى اللبنانية تبدو اليوم وكأنها تعيد إنتاج أخطاء الماضي، حين تراهن على الخارج لتعديل موازين الداخل، غير مدركة أن هذه الرهانات غالبًا ما تنتهي على حساب الدولة نفسها. فالتأريخ يثبت أن من يستجلب الخارج، بأي شكل من الأشكال، لا يملك لاحقًا التحكم بمسار تدخله أو نتائجه.

في المحصلة، ما يُطرح اليوم ليس مجرد مسار تفاوضي، بل هو اختبار حقيقي للوعي السياسي اللبناني: هل يُعاد إنتاج مشهد الانقسام والتبعية، أم يُعاد الاعتبار لفكرة التوافق الوطني كمدخل وحيد لمعالجة القضايا الخلافية؟.

الإجابة لن تحدد فقط مصير سلاح المقاومة، بل ستكشف أيضًا ما إذا كان لبنان قد تعلّم من دروس تأريخه، أم أنه ماضٍ إلى تكرارها بأشكال جديدة، وربما أكثر خطورة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى