اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

الإيرادات غير النفطية مبالغ مهدورة بين الفساد وسوء الإدارة الحكومية

في ظل أزمة السيولة النقدية


المراقب العراقي/ أحمد سعدون..
رغم الموارد المالية الضخمة التي يمتلكها العراق، ما يزال اقتصاده يعاني فجوات كبيرة جعلته عاجزاً عن تحقيق الاستقرار المالي وتعظيم الإيرادات غير النفطية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من الدخول في أزمة سيولة خانقة تهدد قدرة الدولة على تأمين الرواتب وتمويل المشاريع والخدمات الأساسية، بسبب الفساد وسوء الإدارة اللذين يمثلان العقبة الأكبر أمام أي إصلاح اقتصادي حقيقي.
وتأتي هذه المخاوف بالتزامن مع تحذيرات أطلقها المستشار الحكومي مظهر محمد صالح، الذي أكد أن إيرادات العراق الحالية تبلغ نحو أربعة تريليونات دينار فقط، نتيجة انخفاض صادرات النفط، في حين تصل النفقات إلى نحو ثمانية تريليونات دينار تشمل الرواتب والنفقات التشغيلية الأساسية، موضحا، أن العراق بات أمام خيارين أحلاهما مرٌّ، وهما الاقتراض الداخلي أو الخارجي لمعالجة العجز المالي المتزايد.
ويؤكد مختصون، أن هذا الفارق الكبير بين الإيرادات والنفقات يعكس هشاشة البُنية الاقتصادية للبلاد، خصوصاً مع اعتماد الموازنة بشكل كبير على النفط الذي يشكل أكثر من 84 بالمئة من الإيرادات العامة، وبسبب هذا الانخفاض أصبحت الحكومة العراقية أكثر عُرضة للأزمات المالية، الأمر الذي يضع الاقتصاد الوطني أمام تحديات خطيرة قد تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين.
وبحسب تقارير اقتصادية، فإن الإيرادات النفطية انخفضت إلى نحو 2.5 تريليون دينار، وهو مبلغ لا يكفي سوى لتغطية جزء من فاتورة الرواتب، الأمر الذي يهدد بتراجع قدرة الحكومة على الإيفاء بالتزاماتها تُجاه قطاعات الرعاية الاجتماعية والمتقاعدين والقطاع الصحي والمشاريع الاستراتيجية، كما أن استمرار هذا التراجع قد يدفع البلاد نحو مرحلة من شح الأموال وتراجع النشاط الاقتصادي بشكل عام.
وأشارت هذه التقارير الى أن الأزمة الحالية ليست وليدة انخفاض أسعار النفط فحسب، بل نتيجة تراكمات طويلة من الفساد الإداري والمالي الذي استنزف موارد الدولة على مدى سنوات، فالمنافذ الحدودية، ودوائر المرور، والضرائب، وأمانة بغداد، ودوائر كاتب العدل، وغيرها من المؤسسات الحكومية، تمتلك موارد مالية كبيرة كان من الممكن أن تسهم بشكل فعال في دعم الخزينة العامة، إلا أن غياب الرقابة وانتشار شبكات الفساد حال دون الاستفادة الحقيقية منها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية النهوض بالقطاعات غير النفطية، خاصة الزراعة والصناعة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنوع الاقتصادي، فالقطاع الزراعي يمكن أن يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاستيراد، فيما تمثل الصناعة الوطنية فرصة حقيقية لتوفير فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي، كما أن إشراك القطاع الخاص في إدارة المشاريع الاقتصادية والاستثمارية يعد خطوة مهمة لتخفيف العبء عن الدولة وخلق بيئة اقتصادية أكثر استقراراً.
وحول ذلك، أكد عضو مجلس النواب فراس المسلماوي، في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن” الحكومة السابقة بذلت جهوداً واضحة لتعظيم الإيرادات غير النفطية، مبيناً، أن “نسبتها ارتفعت من 7% إلى 14%، وهو ما وصفه بالمؤشر الإيجابي قياساً بالظروف الاقتصادية التي يمر بها العراق”.
وأضاف المسلماوي، إن “المرحلة المقبلة تتطلب من الحكومة الجديدة التركيز بشكل أكبر على ملف الإيرادات غير النفطية، خاصة في ظل الأزمة المالية الناتجة عن انخفاض العائدات النفطية التي تعتمد عليها الموازنة العامة بصورة رئيسة”.
وأوضح، أن” تنشيط الإيرادات غير النفطية يجب أن يشمل مشاريع استراتيجية مهمة، أبرزها مشروع طريق التنمية، إلى جانب تفعيل الجباية الضريبية وتنظيم عمل الدوائر الخدمية، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة أن تقترن الضرائب والرسوم بتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطن بما يحقق حالة من التوازن والعدالة”.
وأشار إلى أن” التحديات الاقتصادية الحالية، وما رافقها من تراجع بالإيرادات النفطية نتيجة التوترات والحروب التي تشهدها المنطقة، تفرض على الحكومة اتخاذ خطوات جادة لإيجاد مصادر دخل بديلة تضمن تأمين الرواتب والالتزامات الخدمية وتمنع تعرض البلاد لأزمات مالية مستقبلية”.
وفي ظل هذه التحديات، تبقى الأنظار متجهة نحو الحكومة المقبلة التي ستكون أمام اختبار حقيقي لإثبات قدرتها على إدارة الملف الاقتصادي بحكمة وكفاءة، بعيداً عن المحاصصة والمصالح السياسية الضيقة، فالعراق يمتلك من الموارد والإمكانات ما يؤهله للنهوض اقتصادياً، لكن ذلك يبقى مرهوناً بوجود إدارة نزيهة وخطط إصلاحية جادة تضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى