اراء

التكنولوجيا… ميدان الصراع الجديد بين بكين وواشنطن

بقلم: شاهر الشاهر..


عندما كان العالم يدخل القرن الحادي والعشرين، لم تكن عبارة “صنع في الصين” مجرد علامة تجارية على المنتجات المنتشرة في الأسواق، بل كانت عنواناً لتحول تاريخي أعاد توزيع مراكز القوة الاقتصادية في العالم. فالصين لم تصبح فقط مصنعاً ضخماً، بل أصبحت العقدة الأساسية في شبكة الإنتاج العالمية. كانت الصين آنذاك تمثل الوجه الجديد للعولمة، بوصفها الدولة التي تحولت، خلال سنوات قليلة، إلى أكبر ورشة إنتاج عرفها الاقتصاد الحديث.
عند بداية مرحلة الإصلاح والانفتاح عام 1978، كان اقتصاد الصين لا يتجاوز نحو 150 مليار دولار، وأصبحت اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بناتج محلي إجمالي يتجاوز 18 تريليون دولار. كما أصبحت أكبر دولة صناعية ومصدراً رئيسياً للسلع في الأسواق العالمية.
لكن الصين، التي صنعت نجاحها من خلال التصنيع، لم تعد تريد الاكتفاء بهذا الدور. فالدول لا تحافظ على مكانتها في النظام الدولي من خلال قدرتها على إنتاج ما يحتاج إليه العالم اليوم فقط، بل من خلال قدرتها على تطوير ما سيحتاج إليه العالم غداً. وهذه هي الفكرة الأساسية وراء التحول الصيني الكبير: الانتقال من “مصنع العالم” إلى “عقل العالم”.
والمقصود هنا ليس أن الصين أصبحت بالفعل المركز الوحيد للابتكار العالمي، فهذا لا يزال هدفاً تسعى إليه، وإنما أن بكين تخوض عملية استراتيجية طويلة الأمد لتحويل التكنولوجيا من أداة اقتصادية إلى مصدر للقوة الوطنية والنفوذ الدولي.
ففي عالم أصبحت فيه البيانات والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي عناصر أساسية للقوة، لم يعد التفوق يُقاس فقط بعدد السفن والطائرات أو بحجم الناتج المحلي، بل بقدرة الدول على إنتاج المعرفة والتحكم في التقنيات التي تحدد شكل المستقبل. ولهذا، أصبحت معركة الابتكار بالنسبة إلى الصين جزءاً من معركة أكبر بشأن موقعها في النظام الدولي المقبل.
لقد تغيرت جغرافيا القوة. ففي القرن التاسع عشر، كانت السيطرة على الممرات البحرية والموارد الطبيعية أساس النفوذ، وفي القرن العشرين، أصبحت السيطرة على الصناعة والطاقة معيار التفوق، أما القرن الحادي والعشرون، فيبدو أنه يتجه نحو صراع جديد بشأن البيانات والخوارزميات وسلاسل التكنولوجيا.
ويرى عالم السياسة الأميركي جوزيف ناي أن “القوة الحديثة لا تقوم فقط على الإكراه العسكري، بل أيضاً على القدرة على التأثير والجذب والابتكار”.
ومن هذا المنظور، فإن التكنولوجيا بالنسبة إلى الصين ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت قضية ترتبط بالأمن القومي وبمستقبل الدولة.
من التصنيع التقليدي إلى اقتصاد المعرفة
كان الصعود الصيني منذ عام 1978 استثناءً تاريخياً. فعندما أطلق دنغ شياو بينغ سياسة الإصلاح والانفتاح، كانت الصين دولة فقيرة نسبياً، تعتمد على اقتصاد داخلي محدود، ولم تكن تمتلك حضوراً مؤثراً في التجارة العالمية. لكن، خلال أربعة عقود فقط، تغير هذا المشهد بالكامل.
اعتمد النموذج الصيني على جذب الاستثمارات الأجنبية، وبناء شبكة هائلة من الموانئ والطرق والمناطق الصناعية، والاستفادة من قوة عمل ضخمة.
وخلال هذه المسيرة، تحولت الصين إلى مركز رئيسي لسلاسل الإنتاج العالمية؛ فهي اليوم مسؤولة عن نحو ثلث القيمة المضافة الصناعية في العالم، وتحتل المرتبة الأولى عالمياً في حجم التصنيع.
كما أن شبكة البنية التحتية التي بنتها، ومنها أكبر شبكة للقطارات فائقة السرعة في العالم، والتي تتجاوز 45 ألف كيلومتر، أصبحت أحد رموز قدرتها على دمج التكنولوجيا بالتنمية الاقتصادية.
وبفضل هذا النموذج، أصبحت الصين أكبر دولة صناعية في العالم، وأكبر مصدر للسلع، وأحد أهم مراكز التجارة العالمية. وتحولت مدن مثل شنجن وشنغهاي إلى رموز لصعود اقتصادي غير مسبوق.
وتبقى شنجن المثال الأكثر تعبيراً عن التحول الصيني؛ فهذه المدينة، التي كانت قرية صغيرة قبل أربعة عقود، أصبحت اليوم مركزاً عالمياً للتكنولوجيا، وموطناً لشركات مثل “هواوي” و”تنسنت”، وهو ما يعكس قدرة الصين على الانتقال من اقتصاد يعتمد على التجميع إلى اقتصاد ينتج التكنولوجيا.
لكن النجاح نفسه بدأ يفرض أسئلة جديدة. فالعالم تغير، والمنافسة لم تعد تعتمد فقط على قدرة الدولة على إنتاج ملايين القطع الإلكترونية أو الملابس أو الأدوات المنزلية. فالدول التي تملك التكنولوجيا الأساسية هي التي تتحكم في القيمة الأعلى داخل سلاسل الإنتاج.
كانت الصين تنتج الهواتف الذكية بكميات هائلة، لكنها لم تكن تصمم دائماً المكونات الأكثر تعقيداً داخلها. وكانت تصنع السيارات، لكنها لم تكن تمتلك، بالضرورة، كل التقنيات التي تقف خلف صناعة المركبات الذكية. هذا الإدراك دفع بكين إلى تغيير أولوياتها. فلم يعد الهدف مجرد أن تكون قاعدة تصنيع عالمية، بل بناء منظومة ابتكار مستقلة.
جاءت مبادرة “صنع في الصين 2025″، عام 2015، لتعكس هذا التحول. فقد ركزت على قطاعات تعدها بكين استراتيجية، مثل الذكاء الاصطناعي، والروبوتات، والطيران، والطاقة الجديدة، وأشباه الموصلات.
التكنولوجيا.. ميدان الصراع الجديد بين بكين وواشنطن
إذا كانت الصناعة والطاقة قد حددتا موازين القوة في القرن العشرين، فإن التكنولوجيا أصبحت اليوم العنصر الأكثر حساسية في المنافسة الدولية.
تدرك الصين أن الدولة التي تسيطر على التكنولوجيا الأساسية تمتلك قدرة أكبر على التأثير في الاقتصاد والأمن والسياسة. ولهذا، ركزت بصورة كبيرة على الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أحد أهم ميادين التنافس بينها وبين الولايات المتحدة. في عام 2017، أعلنت بكين خطة وطنية تهدف إلى جعل الصين رائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030. ومنذ ذلك الوقت، توسعت الاستثمارات الحكومية والخاصة، وأصبحت الصين من أكبر الدول في عدد براءات الاختراع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتتصدر الصين عالمياً من حيث إجمالي طلبات براءات الاختراع، كما تحتل موقعاً متقدماً جداً في براءات الذكاء الاصطناعي، وتمتلك عدداً ضخماً من الباحثين والمهندسين في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة.
وتشير البيانات الدولية إلى أن الصين والولايات المتحدة تستحوذان معاً على النسبة الأكبر من الأبحاث المتقدمة في الذكاء الاصطناعي، ما يعكس انتقال هذا المجال إلى قلب المنافسة بين القوتين.
لكن الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الصين ليس مجرد صناعة تجارية. فهو يرتبط بإدارة المدن، وتحليل البيانات، والتطبيقات العسكرية، والأمن السيبراني. ولذلك، أصبح جزءاً من مفهوم القوة الوطنية. وهنا انتقل التنافس الصيني-الأميركي إلى مستوى جديد.
أظهرت التجارب الصينية الحديثة، مثل نموذج الذكاء الاصطناعي “ديب سيك”، أن الصين لا تسعى فقط إلى اللحاق بالشركات الأميركية الكبرى، بل تحاول تقديم نماذج قادرة على المنافسة بكلفة أقل، وهو ما يعكس انتقال المنافسة من مجرد امتلاك التكنولوجيا إلى تطوير نماذج جديدة لاستخدامها.
فالصراع لم يعد متعلقاً بحجم التجارة أو الرسوم الجمركية فقط، بل بمن يمتلك البنية التكنولوجية التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وتأتي صناعة أشباه الموصلات في قلب هذه المواجهة. فالرقائق الإلكترونية هي المكون الأساسي لمعظم التقنيات الحديثة، من الهواتف والسيارات إلى أنظمة الدفاع والأقمار الاصطناعية.
ولهذا، فرضت الولايات المتحدة قيوداً على تصدير بعض التقنيات المتقدمة إلى الصين، في محاولة للحفاظ على تفوقها في المجالات الأكثر حساسية. لكن الصين أثبتت، في مجالات أخرى، قدرتها على بناء مزايا جديدة. ويعد قطاع السيارات الكهربائية المثال الأوضح. فبدلاً من محاولة هزيمة الشركات الغربية في سوق السيارات التقليدية، التي تمتلك فيها تاريخاً طويلاً، ركزت الصين على قطاع جديد.
واليوم، أصبحت شركات مثل “بي واي دي” من أبرز المنافسين العالميين في السيارات الكهربائية، مستفيدة من سيطرة الصين على جزء كبير من سلسلة إنتاج البطاريات والمعادن المرتبطة بالطاقة الجديدة.
وتكمن قوة الصين في هذا القطاع في امتلاكها معظم حلقات سلسلة القيمة؛ فهي تنتج أكثر من 70% من السيارات الكهربائية عالمياً، كما تسيطر على الجزء الأكبر من سلسلة تصنيع بطاريات الليثيوم، الأمر الذي منحها ميزة استراتيجية في قطاع أصبح مرتبطاً ليس فقط بالنقل، بل بأمن الطاقة والتحول الصناعي العالمي.
وهنا تظهر إحدى خصائص النموذج الصيني: عندما يكون من الصعب تغيير قواعد اللعبة القديمة، يمكن الانتقال إلى لعبة جديدة.
ولذلك، لا تنظر واشنطن إلى المنافسة التكنولوجية مع بكين باعتبارها خلافاً تجارياً، بل باعتبارها صراعاً على قيادة النظام الدولي.
فمن يمتلك التكنولوجيا الأساسية سيمتلك القدرة على وضع المعايير والقواعد التي تحكم الاقتصاد العالمي.
الطريق نحو “عقل العالم”.. الطموح والتحديات
يمثل التحول من مصنع عالمي إلى مركز عالمي للابتكار التحدي الأكبر أمام الصين. فبناء المصانع يحتاج إلى رأس المال والتخطيط، أما بناء منظومة ابتكار، فيحتاج إلى ثقافة علمية ومؤسسات قادرة على إنتاج الأفكار الجديدة.
لقد حققت الصين تقدماً كبيراً في هذا المجال. لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بحجم الإنفاق فقط، بل بقدرتها على تحويل الموارد المالية والبشرية إلى ابتكارات أصلية قادرة على المنافسة عالمياً.
لكن القوة التكنولوجية لا تُبنى بالأموال فقط. فالابتكار يحتاج إلى بيئة تشجع التجربة والمخاطرة، وإلى قدرة على تحويل المعرفة إلى منتجات وشركات عالمية.
يثبت التاريخ أن الدول لا تقود الثورات التكنولوجية بمجرد ضخ الأموال، وإنما بقدرتها على بناء منظومة تجمع بين البحث العلمي، وريادة الأعمال، والقدرة على تحويل الأفكار إلى منتجات وأسواق.
من يملك الابتكار يملك المستقبل
الصين اليوم لا تخوض فقط معركة اقتصادية لزيادة الإنتاج والصادرات، بل تخوض معركة استراتيجية بشأن شكل القوة في القرن الحادي والعشرين. لقد صنعت نجاحها الأول عندما أصبحت مصنع العالم. أما نجاحها الثاني، فسيتوقف على قدرتها على أن تصبح منتجاً للمعرفة والتكنولوجيا. لكن السؤال الحاسم ليس فقط: كم تنفق الصين على البحث والتطوير؟ أو كم عدد براءات الاختراع التي تنتجها؟ السؤال الأعمق هو: هل تستطيع تحويل هذه القدرات إلى قيادة عالمية مستدامة؟
فالمنافسة بين الصين والولايات المتحدة لن تحسمها التجارة وحدها، ولا القوة العسكرية وحدها. إنها ستكون منافسة على العقل، وعلى القدرة على ابتكار المستقبل. والصراع الحقيقي في القرن الحادي والعشرين لن يكون فقط بشأن من يملك أكبر اقتصاد أو أقوى جيش، بل بشأن من يمتلك القدرة على تعريف التكنولوجيا التي سيعيش العالم في ظلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى