اخر الأخبارطب وعلوم

هل يزيح الباليستي والمسيرات المقاتلات من الحروب الحديثة؟

شهدت الحروب الحديثة تحولًا جذرياً في طبيعة أدوات القتال وأساليبها، وكان أبرز هذه التحولات هو الصعود الكبير لاستخدام الطائرات المسيّرة التي أصبحت عنصرًا حاسمًا في رسم ملامح الصراع العسكري المعاصر.

لقد أدى نجاح الطائرات المسيّرة الانتحارية والصواريخ الباليستية في النزاعات الحديثة إلى ظهور تكهنات بأن الاستثمارات الضخمة في الطائرات المقاتلة المأهولة قد ذهبت سُدى، غير أن الخبراء العسكريين، يرون أن هذا الطرح ليس سابقًا لأوانه فحسب، بل يتجاهل أيضًا حقائق أساسية في ساحة المعركة.

فالصواريخ، مهما بلغت درجة تطورها أثناء الطيران، تبقى أسلحة تُستخدم لمرة واحدة، ولن تتمكن أبدًا من استبدال دور الطائرات المقاتلة كمراكز قيادة ووسائل مرنة في السماء.

ويكمُنُ السبب الرئيس في استمرار هيمنة الطائرات المقاتلة على الأجواء في قدرة العنصر البشري داخل قمرة القيادة على التكيّف.

فبمجرد إطلاق الصاروخ، يصبح مرتبطًا بمسار أو هدف مبرمج مسبقًا، ولا يستطيع التفاعل مع التغيرات الديناميكية في الميدان.

في المقابل، يمتلك طيار المقاتلة القدرة على إعادة التقييم في الزمن الحقيقي؛ إذ يمكنه خلال المهمة تغيير الأهداف، والتمييز بدقة أكبر بين الصديق والعدو، بل وحتى إلغاء الهجوم إذا كان هناك خطر وقوع أضرار جانبية غير مرغوب فيها.

وهذه المرونة المرتبطة بـ”الإنسان داخل الحلقة” هي التي تجعل الطائرات المقاتلة أداة أكثر دقة في إدارة القوة والتدمير مقارنة بالصواريخ الباليستية.

إلى جانب مسألة المرونة، توفر الطائرات المقاتلة ميزة حركية تعزز فعليًا من فعالية الصواريخ نفسها، فبدلًا من أن تكون منافسة لها، تعمل الطائرات المقاتلة كـ”مرحلة أولى” تمنح الأسلحة الجوية دفعة طاقية إضافية.

ومن خلال إطلاق الصواريخ من ارتفاعات وسرعات تفوق سرعة الصوت، تزود المقاتلة الصاروخ بطاقة حركية أولية تمنحه مدى أطول وسرعة أعلى مقارنة بإطلاقه من سطح الأرض.

بعبارة أخرى، تعمل الطائرات المقاتلة كمنصات إطلاق مرنة، تمكّن الأسلحة المتقدمة من الوصول إلى مناطق تعجز الأنظمة الأرضية عن بلوغها.

ومن منظور اقتصادي دفاعي، فإن السردية التي تعتبر تشغيل الطائرات المقاتلة مكلفًا للغاية تحتاج إلى مراجعة. صحيح أن سعر المقاتلة من الجيل الخامس مرتفع للغاية، إلا أنها تمثل أصلًا عسكريًا يمكن استخدامه مرارًا عبر آلاف الطلعات الجوية على مدى عقود.

وفي حملة عسكرية طويلة، يُعد استخدام الطائرات المقاتلة لإسقاط ذخائر دقيقة أقل تكلفة أكثر كفاءة بكثير من إنفاق مئات الصواريخ الجوالة، التي تبلغ تكلفة الواحد منها ملايين الدولارات وتُدمّر بعد استخدام واحد فقط.

وبالنظر إلى المستقبل، سيصبح دور الطائرات المقاتلة أكثر أهمية باعتبارها “مرتكز” التكنولوجيا القادمة، ففي مفهوم الحروب الحديثة التي تعتمد على أسراب الطائرات المسيّرة، ستعمل المقاتلات المأهولة كمراكز قيادة تنسّق هذه الأصول غير المأهولة.

ومع دعمها بأجهزة استشعار وأنظمة حرب إلكترونية متقدمة، تستطيع الطائرات المقاتلة إنشاء “مظلة إلكترونية” تحمي القوات من رادارات العدو والتشويش.

وعليه، فإن الطائرة المقاتلة لا تتجه نحو الزوال، بل تتطور لتصبح العقل المدبر لشبكة القتال الجوية، وهو دور لا يمكن لأي آلة مؤتمتة أن تحلّ محله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى