اخر الأخباراوراق المراقب

الوظيفة الإبلاغية في القرآن الكريم وفق لسانيات النص

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي..

كانت البلاغة -في أوَّل أمرها- عبارة عن مَلَكَةٍ فطرية تعتمد على الذوق العربي العام، تكشف من خلال التعليل الجمالي، عن كوامن الأشياء وما تحويه من الحس الجمالي دون معرفة القواعد البلاغية التي استقاها البلاغيون بعد ذلك؛ لأنَّه يمثل الوعي الثقافي لفترة ما قبل الإسلام.

وكانت أوَّل علم يكتشفه العرب من طريق الذائقة الجمالية التي هي ملكة في ذات العربي؛ إلّا أنَّ تقنينها جاء متأخراً عن اكتشاف العلوم الأخرى كالنحو والصرف والعروض وغيرها، وقد أشار إلى هذه الكلمة بمصطلحها المعروف حاليَّاً ــ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا “سمع رجلاً يقول لآخر: كفاك الله ما أهمك، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): فلم يكن المصطلح غائباً عن أذهان العرب قبل القرآن الكريم وبعده، ويبدو ذلك واضحاً في ما تضمنته قصائد الشعراء من تشبيهات وكنايات واستعارات وجناسات وطباقات واقتباسات وغيرها من اللمسات البلاغية، وإن كانت تلك الحقبة تخلو من الأحكام والتحليلات البلاغية؛ إلّا أنَّها تعدّ أساساً في وضع الملاحظات البيانية عند العرب.

تجليات الوظيفة الإبلاغية في الأسلوب القرآني

تتحقق الوظيفة الإبلاغية في القرآن بوساطة آليات لسانية عدَّة يلتمس فيها -المتسلط على العملية التبيينيَّة- استشعارتها وومضاتها وإضاءاتها التي بها يتم ربط الوشائج التواصلية مع العنصر الخامس وهو ما نصطلح عليه (بالمستفيد)؛ ومن هذه التجلِّيات ما نجده في:

  1. الإيجاز والإعجاز: تميل العرب إلى الإيجاز في كلامها، والقرآن الكريم جاء بلسانهم، فكان الإيجاز من الأساليب العربية التي عززها القرآن الكريم فينظمه، إلَّا أنَّه افترق عن الأساليب العربية بالقصدية المكثَّفة في ضغط المعلومات في قِصَرِ العبارات، والقدرة على إيصال أضخم المعاني (مما يُسمَّى بالضغط الدلالي) بأقل الألفاظ. هذا “التكثيف الإبلاغي” يضمن بقاء الرسالة حية وسهلة الحفظ والترداد، مما يسهل عملية “التذكر” وهي وظيفة إبلاغية ثانوية، بالإضافة إلى الإعجاز النظامي في السياقات القرآنية التي كانت مدعاة إلى تعجيز العرب من الإتيان بمثله.
  2. التكرار الهادف: تكرار الألفاظ في السرديات اللغويَّة كثيراً ما يكون كاشفاً عن ضعف وركاكة في الحصيلة اللغوية لدى الباث، إلَّا أنَّ القرآن الكريم أكَّد عكس ذلك في تكراره للألفاظ والقصص، وحتَّى في الأصوات المتجاورة من مثل قوله تعالى: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فتجاور الحروف المتماثلة يُحدث نفرا سمعيَّاً عند المتلقي، في حين نجد في قوله تعالى {أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ}، ليس فيها ما يمُجَّ السمع، وكذلك في تكرار القصص أو الأحكام ليس عبثاً، بل هو إعادة توجيه للوظيفة الإبلاغية لتناسب سياقاً جديداً، أو لتثبيت “المعلومة المركزية” في ذهن المتلقي (الترسيخ الإبلاغي)، فلا تكرار بلا طائل في النص المقدَّس.
  3. العدول والالتفات: الوتيرة الواحدة في السياقات اللغوية يُحدث تراتبيَّة سمعيَّة تؤدي إلى برود تفاعلي عند المتقي، وهذا ما يحتاج إلى ومضة لغوية تقوم بتنشيط المتلقي للتشويق أو للتنبيه أو للتحذير أو الترهيب أو الترغيب، وهذا ما يُسمَّى في البلاغة بـ(الالتفات)، وفي المباحث اللغوية بـ(العدول)، وبمفاهيم النقدية بـ(الانزياح)، وهو تغيير الضمائر (من الحضور إلى الغياب مثلاً) يعمل على كسر الرتابة وتنبيه ذهن “المستقبل” لضمان استمرارية الاتصال وتدفق المعلومات، ونجد هذا مبثوثاً في كثير من السور القرآنية المباركة، مثل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}، ففي هذه الآية المباركة، مجموعة من الانتقالات اللغوية من الغياب إلى التكلم ومن الجمع إلى المفرد ومن التكلم إلى الخطاب مما يُشعر القارئ بنشوة القراءة دون الملل، ويستشعرها اللغوي أكثر من غيره، لأنَّه يعرف بخبايا النص، فالتفاتات القرآن الكريم كثيرة جدَّا وما ذكرناه للتمثيل لا للحصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى