اراء

من الليطاني إلى الأولي.. وهم الحسم بالقوة

بقلم: العميد محمد الحسيني..
يمكن فهم الصراع القائم بين العدو الإسرائيلي وحزب الله في الجنوب اللبناني ضمن إطار أوسع من “الحروب غير المحسومة” في العلاقات الدولية الحديثة، أي تلك التي لا تنتهي بهزيمةٍ واضحةٍ لطرف ولا تُنتج سلامًا مستقرًا، بل تستقر في حالةٍ وسطى بين الحرب والسلم، حيث تفقد القوة قدرتها على إنتاج الحسم رغم استمرار فاعليتها. في هذا النمط من الصراعات، لا يكون “الحسم بالقوة” خيارًا عمليًا بقدر ما يتحول إلى فرضية نظرية تتآكل تحت ضغط الواقع.
لم يكن جنوب نهر الليطاني هامشًا جغرافيًا في الوعي الجيوسياسي المبكر، بل فضاءً تتداخل فيه الجغرافيا بالموارد والحدود. فقد نظر بعض قادة الحركة الصهيونية الأوائل، مثل حاييم وايزمان ودافيد بن غوريون، إلى الليطاني باعتباره عنصرًا مائيًا استراتيجيًا محتملًا ضمن تصور دولة تحتاج إلى عمق وموارد أكثر من حاجتها إلى حدود سياسية مستقرة. لكن هذا التصور لم يُترجم إلى واقع دولي، إذ حسمت ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى موقع الجنوب اللبناني خارج المجال الفلسطيني. ومع ذلك، فإن الفكرة الاستراتيجية لا تُدفن بسقوطها السياسي، بل تبقى كامنة داخل الوعي الأمني حين تُستعاد الجغرافيا كأداة تفكير.
مع قيام إسرائيل عام 1948، انتقل الجنوب من كونه فضاءً مائياً- تصوريًا إلى ساحة أمنية فعلية. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، تبلور إدراك لدى العدو يعتبر فيه جنوب لبنان عمقًا أمنيا يجب السيطرة عليه، ما أعاد تعريف الليطاني لا كمورد بل كحدٍّ وظيفي بين الأمن واللا أمن. هنا تبدأ الجغرافيا بفقدان معناها الطبيعي لصالح معناها العسكري.
اجتياحا 1978 و1982 مثّلا محاولة لترجمة هذا الإدراك عبر إنتاج “شريط أمني”، يقوم على إدارة المجال من خلال ميليشيات لبنانية متعاملة مع العدو. لكن هذا النموذج انهار تدريجيًا، وصولًا إلى الانسحاب عام 2000، ما كشف أن الأمن القائم على العزل المكاني غير قابل للاستدامة أمام مقاومة تمتلك قدرة ردعية مرنة.
بعد 2006، أعاد القرار 1701 تعريف وظيفة الجنوب لا كمنطقة صراع، بل كمنطقة “ضبط اشتباك”. غير أن هذا التحول لم يُنتج استقرارًا بقدر ما أنتج إدارة مقنّعة للتوتر: فالمسألة لم تعد غياب المواجهة، بل تنظيمها ضمن سقوف منخفضة تمنع انفجارها دون أن تُنهي أسبابها. بهذا المعنى، لم يعد الليطاني خطًا جغرافيًا، بل معيارًا لتوازن غير مكتمل.
في المرحلة الراهنة، لم يعد الجنوب ساحة حدود، بل ساحة اختبار لمعادلة الردع نفسها. طرح العدو الإسرائيلي بإعادة دفع الحدود نحو الليطاني لا يعكس سعيًا لاحتواء المقاومة بقدر ما يعكس محاولة لإعادة هندسة البيئة الأمنية عبر تغيير توزيع السكان والمجال. غير أن هذا النوع من “الهندسة الأمنية” لا يُنتج إزالة للتهديد بالنسبة إليه، بل إعادة تموضع له.
وتكتسب تصريحات وزير حرب العدو الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 31 مارس 2026 أهمية خاصة، إذ أعلن نية الجيش البقاء حتى الليطاني وفرض “سيطرة أمنية دائمة”، مع طرح منطقة عازلة بعمق 30 كلم داخل لبنان، وتبني سياسة تدمير ممنهج للقرى ومنع عودة السكان.
ويمثل ذروة هذا المنطق: الانتقال من ردع الخصم إلى إعادة تشكيل محيطه. لكن هذا التحول يصطدم بحدٍّ بنيوي حاسم، إذ إن القدرة العسكرية للمقاومة لم تعد مرتبطة بالمجال الحدودي، بل بمنظومة صاروخية واستطلاعية تتجاوز الجغرافيا المباشرة، ما يفصل بين السيطرة على الأرض والسيطرة على الفعل العسكري.”
في المقابل، لا يُقرأ هذا التوجه بوصفه حلًا أمنيًا بقدر ما يُفهم كإعادة إنتاج لفكرة “العزل الأمني” بصيغة أكثر عنفًا. فبدل إنهاء منطق الردع المتقابل، يعيد ترسيخه ضمن جغرافيا مُعاد تشكيلها. هنا تتكشف المفارقة المركزية: كل محاولة لتغيير المكان تُفضي إلى تغيير شكل الاشتباك لا إلى إلغائه.
يقوم هذا الواقع على توازن ردع غير حاسم، يمتلك فيه الطرفان قدرة الإيذاء دون القدرة على الحسم، فتتحول الساحة إلى بنية متعددة الطبقات: حدود منخفضة التوتر، عمق استراتيجي مفتوح، وقواعد اشتباك مرنة تُدار خارج اتفاقات نهائية. وعليه، لا يعود الاستقرار غيابًا للعنف، بل قدرة مؤقتة على احتوائه ضمن سقوف قابلة للانهيار.
حتى مع أي تمدد ميداني نحو الليطاني أو الأولي، لن يتغير جوهر الصراع، لأن الفعل العسكري لم يعد رهينة الجغرافيا المباشرة. لقد انتقلت المواجهة من السيطرة على الأرض إلى إدارة القدرة، ومن الحدود إلى الشبكات، ومن الخطوط إلى العمق.
وتُظهر التجربة الإسرائيلية في لبنان—من 1982 إلى 2000 ثم 2006—أن العمليات البرية الواسعة سرعان ما تنقلب إلى استنزاف استراتيجي، ما فرض تحوّلًا نحو إدارة الصراع عن بعد بدل الانخراط فيه مباشرة. هذا التحول لا يعكس تراجعًا في القوة، بل إدراكًا لحدودها داخل بيئة لا تسمح بالحسم.
في المحصلة، لا يعكس الوصول إلى الليطاني أو حتى إلى الأولي عن تغيّر في خطوط السيطرة بقدر ما تكشف حدود القوة نفسها. فكل توسّع جغرافي لا يُنهي الصراع، بل يعيد إنتاجه بصيغة أكثر تعقيدًا. وهكذا، لا يتلاشى وهم الحسم بالقوة، بل يتجدّد مع كل محاولة لإثباته- ليصطدم مجددًا بحقيقة أن الصراعات التي تُدار لا تُحسم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى