اخر الأخبارطب وعلوم

مجزرة الميركافا.. كيف نجح حزب الله بوقف التمدد الصهيوني في جنوب لبنان؟

نجح حزب الله في استهداف وتدمير دبابات ميركافا الإسرائيلية عبر مزيج من التكتيكات العسكرية المتطورة، والخبرة الميدانية، واستخدام أسلحة نوعية مضادة للدروع، واعتمد حزب الله على أسلوب جديد، حيث يتم استدراج الدبابات إلى مناطق ضيقة أو وعرة مثل القرى والتلال، مما يحد من قدرتها على المناورة ويجعلها هدفاً سهلاً، كما تم استخدام الكمائن المدروسة بعناية، مع توزيع العناصر على نقاط عدة لضمان إصابة الهدف.

وتعتمد مُسيَّرات منظور الشخص الأول على المُشغِّل، الذي يرى ما تراه الكاميرا المثبتة في مقدمتها لحظةً بلحظة، كأنه جالس بداخلها أو يمارس لعبة إلكترونية. ويمنحها ذلك قدرة كبيرة على المناورة والدقة، سواء في الاستطلاع أو في توجيه ضربة مباشرة إلى هدف محدد. وغالبًا ما تكون هذه المُسيَّرة منخفضة التكلفة مقارنةً بالأسلحة التقليدية، ويمكن تجهيزها بعبوة متفجرة لتعمل كمسيَّرةً انتحارية تصطدم بهدفها وتنفجر فيه.

واستخدام هذه المسيَّرات في مواجهة الدبابات والمدرعات ليس تفصيلًا تكتيكيًا فحسب، بل يمكن اعتباره انقلابًا في وظيفة الدبابة ذاتها من المناورة إلى البقاء. والأهم أن آلاف المسيَّرات الدقيقة التي لا تتجاوز تكلفة الواحدة منها بضع مئات أو آلاف الدولارات باتت تشل حركة دبابات لا تقل قيمة الواحدة منها عن ستة إلى عشرة ملايين دولار.

وأوضح خبراء، أن حزب الله يخوض مع الكيان الصهيوني “حربًا على الطريقة الأوكرانية” في جنوب لبنان، بعد أن بدأ بنشر مقاطع مصوَّرة ملتقطة من مسيَّراته الانتحارية وهي تصطدم بدبابات ميركافا الإسرائيلية المتقدمة جنوبًا، مؤكداً أنه “دمَّر أو عطَّل 20 دبابة” منها.

وكان الهجوم الافتتاحي لحزب الله في الثاني من آذار عبر ضربة بالمسيرات والصواريخ، إذ نقلت رويترز عن مصادر، أن الحزب كان يُطلق أكثر من 60 صاروخًا ومسيَّرة يوميًا حينها، ثم تجاوز ضعف هذا العدد بعد يومين. وبحلول 19 آذار، كان الحزب قد تبنَّى أكثر من 280 هجومًا شملت صواريخ وقذائف وصواريخ موجَّهة ومسيَّرات، استهدفت مستوطنات شمال إسرائيل وتمركزات الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان.

في لبنان، لا يبدو أن استخدام حزب الله للمسيَّرات يبلغ حجم الاستخدام الأوكراني ونطاقه، غير أنه يُظهر محاولة جادة للاستفادة من مبدأ “اقتصاد المسيَّرات”، أي استخدام المُسيَّرات الصغيرة الرخيصة لمعادلة كفة تكلفة الحرب لصالح الطرف الأضعف. ففي السابق، كان إحداث أثر عسكري ملموس يستلزم منصات باهظة مثل طائرة مقاتلة أو صاروخ موجَّه مرتفع الثمن، أما اليوم فبات من الممكن تنفيذ الاستطلاع أو الضرب أو الاستنزاف بمسيَّرات لا يتجاوز ثمن بعضها بضع مئات أو آلاف الدولارات، بينما تُجبر الخصم على استخدام دفاعات وذخائر أثمن بكثير.

ومن هنا تنشأ معادلة “الاستنزاف غير المتماثل”؛ سلاح رخيص من حزب الله يفرض على إسرائيل دفاعًا باهظًا. فمُسيَّرة “شاهد” الإيرانية تتكلف بين 20-50 ألف دولار، بينما يبلغ سعر صاروخ اعتراض واحد من باتريوت نحو 4 ملايين دولار، لذا لم تعد المشكلة في إسقاط المسيَّرة فحسب، بل فيما يكلفه إسقاطها، وكم مرة يستطيع المُدافع تكرار ذلك قبل أن تستنزف مخزونه وميزانيته، ولهذا نرى اتجاهًا متزايدًا نحو حلول دفاعية أرخص مثل المدافع والمسيَّرات الاعتراضية والليزر، بدلًا من الاعتماد الدائم على الصواريخ الأغلى ثمنًا.

وفي مقطع نشره حزب الله يوم 4 آذار، ظهر مقاتل يُجهِّز مسيَّرة في منطقة كثيفة الأشجار، تعرَّف عليها بعض الخبراء بوصفها مُسيَّرة “شاهد 101″، مع احتمال أن يكون إنتاجها محليًا، وهي مسيَّرة أصغر وأخف، وأقرب إلى المسيَّرات الانتحارية التكتيكية قصيرة إلى متوسطة المدى، مقارنةً بالمُسيَّرة “شاهد 136” الشهيرة والأكبر حجمًا والمصمَّمة للهجمات الأبعد. وتتميز بعض نسخ “شاهد 101” بمحرك كهربائي يُخفِّض الضجيج والبصمة الحرارية، لكن على حساب الحجم والمدى والحمولة.

وهنا يدخل ملف مسيَّرات الألياف الضوئية بوصفها أحدث التهديدات التي تواجهها إسرائيل، وقد استُخدمت مؤخرًا في جنوب لبنان. ولا نعرف بَعْد الكثير عن حجم توظيف حزب الله لها، لكنها قد تتحول مع الوقت إلى عنصر أساسي في هذه الحرب إن أمكن إنتاجها بكثافة.

ومسيَّرات الألياف الضوئية هي في الأصل مسيَّرات انتحارية صغيرة من مُسيَّرات منظور الشخص الأول، لكن بدلًا من تلقِّي الأوامر والصورة عبر موجات الراديو، فإنها تبقى متصلة بالمشغِّل عبر سلك ألياف ضوئية رفيع ينسحب من بكرة أثناء الطيران. وهذا يمنحها ميزتين حاسمتين: الأولى أنها شبه محصَّنة ضد التشويش الإلكتروني التقليدي، لأنها تتلقى الأوامر عبر سلك منعزل عن المجال الكهرومغناطيسي، والثانية أنها تنقل صورة واضحة، مما يجعلها فعَّالة جدًا ضد الأهداف المختبئة بين الأبنية أو داخل الخنادق.

لم تقتصر رحلة صيد الدبابات الإسرائيلية على المسيرات. مع دخول الميركافا إلى جنوب لبنان، تبنَّى حزب الله تكتيكات جديدة عبر خلايا صغيرة تضرب ثم تذوب في التضاريس، مستخدمًا صواريخ “كورنيت” الروسية و”ألماس” الإيرانية.

ويشكِّل صاروخ كورنيت، تهديدًا تقليديًا ومباشرًا لدبابات ميركافا، لأنه صاروخ مضاد للدروع مخصص لاختراق التدريع من مسافات بعيدة نسبيًا. وقد برز اسمه بقوة منذ حرب 2006 حين تمكَّن مقاتلو حزب الله وقتها من إصابة عدد من دبابات ميركافا بما فيها نسخ حديثة منها.

أما صاروخ ألماس الإيراني فخطورته مختلفة، إذ يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه نسخة إيرانية من عائلة سبايك الإسرائيلية، ما يجعله أكثر تطورًا في التوجيه والاشتباك المرن، وقد ظهرت دلائل على استخدامه من جانب حزب الله ضد أهداف إسرائيلية في معارك متنوعة خلال السنوات القليلة الماضية.

بناءً على ما سبق، فإن المسيَّرات جزء من منظومة قتالية متكاملة لا بديل منفرد، حيث يُضغط على الدبابة بالصاروخ والكمين الأرضي بينما تُضيف المسيَّرة عنصر الرؤية من منظور علوي ثم الضربة من أعلى. وهكذا تواجه دبابات ميركافا ثلاثة مستويات مترابطة من الخطر تتكامل لتقليص قيمة الدبابة تدريجيًا في ساحة قتال معقدة مثل جنوب لبنان.

أول هذه المستويات الرصد والكشف فوق الميدان، فالمُسيَّرة حتى حين لا تكون مسلحة تؤدي وظيفة بالغة الأهمية، إذ تنزع عن الدبابة ميزة الاختفاء النسبي والمفاجأة، وتكشف حركتها واتجاهها ونقاط توقفها وأنماط مناورتها بين الأبنية والطرقات الضيقة، مما يمنح حزب الله صورة محدَّثة للميدان في الزمن الحقيقي تُمكِّنه من توجيه نيران المدفعية أو الراجمات أو الصواريخ المضادة للدروع في اللحظة الأنسب.

ثم يأتي المستوى الثاني وهو الضرب المباشر من الأعلى أو من الزوايا الأضعف تدريعًا. فالدبابة صُمِّمت تقليديًا لتحمُّل الضربات الأمامية والجانبية، لكن الحرب بالمسيَّرات فرضت تهديدًا مختلفًا يقوم على استهداف السقف وأعلى البرج حيث تقل كثافة التدريع.

أما المستوى الثالث فهو التشبع والإنهاك، وهو ربما أخطر المستويات عملياتيا، لأن الدبابة لا تواجه تهديدًا منفردًا بل تدخل ساحةً تتعرض فيها في آنٍ واحد لصواريخ موجَّهة ومسيَّرات استطلاع ومسيَّرات انتحارية وقذائف راجمات وربما نيران هاون وعبوات ناسفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى